ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن . . . أمام المطايا تشرئب وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرةٌ . . . شعاع الضحى من وجهها يتوضح
فأدته أداء حسناً . ثم غنت صوتاً من القديم والحديث تقول :
قل لمن صد عاتباً . . . ونأى عني جانبا
قد بلغت الذي أرد . . . ت ، وإن كنت لاعبا
فاستعدته منها لأصححه عليها فأقبل علي أحد الرجلين يعنفني ويقول : ما رأينا طفيلياً أصفق وجهاً منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت ، وهذا غاية المثل : طفيلي ويقترح .
فأطرقت وجعل صاحبه يكفه وهو لا يلتفت ، ثم قاموا إلى الصلاة وتأخرت بعدهم قليلاً ، وأخذت عود الجارية وشددت طبقته وأصلحته إصلاحاً محكماً ، وعدت إلى موضعي وعادوا ، وأخذ ذلك الرجل في عربدته علي وأنا صامت ، وأخذت الجارية العود وجسته ، فأنكرت حاله ، وقالت : من جس عودي ؟ قالوا : ما جسه أحد .
قالت : بلى والله لقد جسه حاذق متقدم وشد طبقته ، وأصلحه إصلاح متمكن من الصناعة .
قلت لها : أنا .
فقالت : بالله خذ واضرب .
فأخذته وضربت ضرباً عجيباً فيه نقرات محركة ، فما بقي منهم أحد إلا وثب وجلس بين يدي ، وقال صاحب المجلس : أقسم بالله أن لك في هذه الصناعة أصواتاً غريبة ، فبالله عليك إلا عرفت بنفسك ؟ فقلت : أنا إسحاق الموصلي ، ووالله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبت وأنتم ترون صاحبكم هذا يسمعني ما أكرهه لكوني تأدبت معكم ، ودخلت عندكم ، والله لا نطقت بحرف ، ولا جلست حتى تخرجوا هذا الممقوت .
فقال له صاحبه : من مثل هذا خفت عليك .
وأخذوا بيده وسحبوه وأخرجوه وعادوا فبادرت وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي ، فقال لي الرجل : هل لك في خصلة ؟ قلت : ما هي ؟ قال : تقيم عندنا أسبوعاً والمكافأة الجارية والجهاز لك . قلت : نعم أفعل .
وأقمت عنده أسبوعاً لا يعرف أحد أين أنا ، والمأمون يطلبني في كل حين وكل موضع ، ولم يقع أحد على خبري ، فلما انقضت الأيام تسلمت الجارية والجهاز والخادم ،
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 292
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٢٩٢