فهي تحكي الهواء لرقتها والياقوت لحمرتها والزنجبيل لحدتها ، ووضعت بين أيديهما مع أقداح وأنطال تشاكل ذلك ، فقال المأمون : والله ! ما رأيت مثل هذا قط .
ثم أخرجت جاريتين عليهما جباب الوشي الكوفي المنسوج بالذهب ، وعلى رأسيهما مقانع رشيدية وتيجان من الذهب مكللة بالجوهر ، فجلستا وفي حجريهما العيدان المبسوطة الموزونة ، فحركتا الأوتار وغنتا بصوت شجي مليح ، من أنواع الأغاني وغرائب الأصوات ، فقال المأمون : هذه الجنة مما نرى فيها من غرائب الطيب والجوهر .
فقال يحيى : وقد بقي لنا يا أمير المؤمنين ، شرط آخر .
فقال : وما هو يا يحيى ؟ قال : الصيد ، يا أمير المؤمنين .
قال : صدقت يا يحيى ، ثم قال : يا حمنة ، ما فعل الصيد ؟ فقالت : قوما إليه .
فقام المأمون ويحيى حتى دخلا بستاناً لم ير مثله ، وقد كانت زينت البستان بأحسن ما تقدر عليه ، واتخذت فيه ألوان الطيور من الفاخت والقمري والهزار والطواويس ، فكانت الأطيار تغني من رؤوس الأشجار ، وتغرد بالسر والإجهار ، وقد كانت زينت مائة جارية نواهد أبكار بطرر وشعور وخدود ومباسم ساطعات الأنوار ، ترى كل واحدة منهن أبهى من صاحبتها وأحسن ، وعليهن من ألوان الثياب ما يعجز عنه الوصف ، وفي وسطهن مناطق الذهب الأحمر ، وتقدمت إليهن وقالت لهن : إذا رأيتن المأمون ويحيى ، تعادين ما بين الأشجار . فلما دخل المأمون ويحيى لابستان ، فعلن ما كانت أمرتهن ، فتضاعف السرور على المأمون ، وأعجب بذلك عجباً شديداً ، ثم قال ليحيى : هذا الصيد .
فقال : يا أمير المؤمنين ! رأيك ؟ فقال المأمون : لو كان لنا كلب لا صطدنا هؤلاء .
فقال يحيى : أنا كلبك ، يا أمير المؤمنين .
فعد المأمون ويحيى فاصطادا منهن صبية ، فقالت حمنة : سألتك بحق أجدادك إلا ما خليت عن الجواري لا لبخل أبخل بهن عليك ، وقد فهمت المعنى فيه .
وقد كانت حمنة تغار على المأمون فخلى عن الجواري ، وقال ليحيى : دونك والصيد إذن أنت محل .
فقال يحيى : لو كان لي كلب لاصطدت من هؤلاء .
فقال المأمون : أنا كلبك .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 233
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٢٣٣