عن أقواله وأفعاله ووزنها بميزان الشرعية الإلهية ، ثم إن الرسول الأعظم
كان يتعامل قانونيا مع الظواهر ، تاركا أمر البواطن لله تعالى ، لقد عرفه الله
تعالى بالمنافقين ولكن لا أعلم أن رسول الله قد قال خلال حياته لأحد من
المنافقين بالذات أنت منافق يا فلان ! ! ! كان المنافقون يتلفظون الشهادتين ،
ويصلون ويصومون ويعتمرون ويحجون ويزكون ، ويخرجون للجهاد مع
رسول الله ، وإذا تخلفوا عنه يعتذرون ويظهرون الإيمان ، ويبطنون الكفر
والفسوق ولا عصيان ، كان الرسول يعلم ذلك علم اليقين ، ولكنه كان لا يرى
لنفسه سلطانا لمعاقبة هذا المنافق أو ذاك ، ما لم يجهر بكفره وفسوقه
وعصيانه ، ويأخذ هذا الجهر الصورة الكاملة لفعل محظور شرعا ، فإن فعل
ذلك عاقبه الرسول بحدود الفعل ، كمسلم حسب الظاهر ، وبالعقوبة
المحدودة شرعا ولكن الرسول لا ينبش ماضيه ، ولا ينقب عن حقيقة إيمانه ،
ثم إن الرسول يمثل قمة الكمال الإنساني ، وصفوة الوجود البشري ، وهو
بطبيعته رحمة للعالمين ، قود وسع بحلمه المسلمين جميعا ، وعلا بخلقه
فوق الناس أجمعين لذلك وصف الله تعالى خلقه وصفا دقيقا بقوله : ( وإنك
لعلى خلق عظيم ) فعبد الله بن أبي كان كهف المنافقين والنفاق ، وقد أبدي
رغبته بأداء العمرة مع رسول الله ، ولم يكسر النبي بخاطره واصطحبه كأي
واحد من المسلمين ، ولما نزل رسول الله في الحديبية ، وتعثرت
المفاوضات مع زعامة الشرك ، وأمر الله رسوله بأن يأخذ البيعة على القتال
من المسلمين بايعه ابن أبي كواحد من المسلمين ، ولما عرضت زعامة
الشرك على ابن أبي أن يؤدي العمرة وأن يطوف بالبيت قال كيف أفعل ذلك
دون رسول الله ! ! ومن المؤكد أن ذلك قد أثلج خاطر الرسول وفي لحظة
من اللحظات ، اقترح بعضهم على رسول الله أن يقتل ابن أبي ، فأجاب
الرسول ذلك البعض بقوله : " كيف يقال بأن محمدا يقتل أصحابه ، والله
لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا " وفي غزوة تبوك وأثناء عودته وعندما تآمر
عليه ذلك النفر من المنافقين ليقتله ، كشف الخبر لأصحابه ، ولكنه لم
أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ — صفحة 270
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص٢٧٠