تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وأما جبل لبنان فهو موضعٌ يدخل الناس إليه بين جبلين يجمع منه الريباس الأخضر ، فيقال أن الجبلين انطبقا على من بينهما وكانت عدتهم تناهز مائتي رجل وقد أكثر الناس في حديثها . وأقامت بعد ذلك أربعة أيام في النهار والليل ، ونسأل الله لطفه وتدبيره وهو حسبنا ونعم الوكيل . ومن عجيب ما شاهدنا أن جماعةً ممّن ينتابني في الطبّ وصلوا إلى كتاب التشريح ، فكان يعسر أفهامهم ، وفهمهم لقصور القول عن العيان فأخذنا أن بالمقس تلاقيه رمم كثيرة فخرجنا إليه فرأينا تلا من رِمَمٍ له مسافة طويلة ، يكاد يكون ترابه أقلّ من الموتى به ، نحدسُ ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفا فصاعدا وهم على طبقات في قرب العهد وبُعدِه . فشاهدنا من شكل العظام ومفاصِلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما أفادنا علما لا نستفيده من الكتب ، إمّا أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه أن يكون ما شاهدناه مُخالفا لِما قيل فيها ، والحسُّ أقوى دليلاً من السمع ، فإنّ جالينوس وإن كان في الدرجة العُليا من التحرِّي والتحفُّظ فيما يباشره ويحكيه ، فإنَّ الحسَّ أصدق منه . ثم بعد ذلك يتخيل لقوله مخرج إن أمكن ، فمن ذلك عَظم الفك الأسفل ، فإن الكل قد أطبقوا على أنه عظمان بمفصلٍ وثيقٍ عن الحنك ، وقولنا الكلّ إنَّما نُعني به ها هنا جالينوس وحده ، فإنه هو الذي باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينيه وصنَّف فيه عدة كتب معظمها موجودٌ لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب . والذي شاهدناه مِن حال هذا العضو أنّه عَظمٌ واحد وليس فيه مفصلٌ ولا درز أصلا ، واعتبرناه ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي جمجمة بأصنافٍ من الاعتبارات فلم نجده إلّا عظما واحدا من كلِّ وجه ، ثم أننا استعنا بجماعة مفترقة اعتبروه بحضرتنا وفي غيبتنا ، فلم يزيدوا على ما شاهدوه منه وحكيناه ، وكذلك في أشياء أخرى غير هذه وليت مكَّنتنا المقادير بالمساعدة ووضَعنا مقالةً في ذلك تحكي في ما شاهدناه وما علمنا من كتب جالينوس ، ثم أني اعتبرت هذا العَظم أيضا بمدافن بوصير القديمة المقدَّم