لدائِه ما يشفيه ، ولفاقت ذهنه منه ما يغنيه ، فمع كثرة التطلُّب ، ومحبة الوقوف على ما تُسْقَى به الغلَّة ، وتبرأُ به العِلَّةُ لم أقف منه على طائل ، ولم يزده مع الإشكال إلاَّ وفورًا وتكاملاً ، حتى أني وقفت على نقل لبعض المحققين فسررتُ حين الوقوفِ عليه ، وتاقت النفس لمطالعته ، وصرفِ الهمة إليه ، وعضضته ، بالناجذِ والنابِ ، ونظرتَ فيه نظر الناقد البصيرِ من أولى الألباب ، وكان وقوفي عليه وقوفَ شحيحَ ضلَّ في التربِ خاتَمُهُ ، فلم أعد فيه بسوى خفَّيْ حنينٍ ، ( 1 ) ووجدت دندنَته وما إليه لمحَ في البينِ ، وفهمت أن محطَّ نظره ، وغاية مقصده غيرُ ما أريد فهو في وادٍ وأنا في واد ، فحينئذٍ قلت : سبحانه الله [ أتبلهِتُ ] ( 2 ) من أنت في وقته وأوانه ، أو [ تطيل ] ( 3 ) الفكر من قرَّبك الله له في حَلَبةِ ميدانه ! هذا لعمري هو التغافُل البالغ إلى غاية ، والتساهل الواصل أرفَ نهاية ، فتراني قد وجَّهته إليك ، وعوَّلت في كشف مُدْلهمَّه بعد الله عليك ، فأنت - حفظك الله - وارثُ العلوم عن أربابها بالتعصيب لا بالرَّحامة ، وفاتحُ مربحاتِها بفتوح من الله تعالى وكرامة ، مع مدة تعب ونصَبٍ فُقْتَ به جميعَ الأقران ، وسُدْتَ به كلَّ ما هو في جميع البلدان [ 1 أ ] ومحطّ إليه إلى هو أن يقال : قال الله - سبحانه وتعالى - : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ( 4 )
هامش
( 1 ) قال أبو عبيد : أصل المثل أن حنينًا كان إسكافيًا ، من أهل الحيرة فساومه أعرابي بخفين ، فاختلفا حتى أغضبه ، فأراد غيظ الأعرابي ، فلما ارتحل الأعرابي أخذ حُنين أحد خفيّه وطرحه في الطريق ، ثم ألقى الآخر في موضع آخر ، فلمَّا مرَّ الأعرابي بأحدهما قال : ما أشبه هذا الخفَّ بخفّ حنين ولو كان معه الآخر لأخذته ! ومضى فلمَّا انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول ، وقد كمن له حنينٌ فلمّا مضى الأعرابي في طلب الأوَّل عمد حنين إلى راحلته وما عليها فذهب بها ، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفَّان ، فقال له قومه ، ماذا جئت به من سفرك ؟ فقال : جئتكم بخفي حنين ، فذهبت مثلاً .
يُضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة .
( 2 ) غير واضحة في المخطوط .
( 3 ) غير واضحة في المخطوط .
( 4 ) [ الأحزاب : 56 ] .