تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6237

مساهمون:

ص٦٢٣٧
قال السائل - كثر الله فوائده - . . . السؤال الرابع : هل الصحيحُ عند القاضي جوازُ القرآنِ بالسنةِ أو المنعُ ؟ ( 1 ) فإذا قلتُم بالجواز يشكُلُ قولُه - سبحانه وتعالى - : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ الآية } فإن السنة ليست بمثلِ القرآنِ ولا خيرًا منه ، وإن كانت وحيًا لنسبتِها إلى الرسول ، ونسبةُ القرآنِ إلى الله وإذا قلتم بالمنع أشكلَ أيضًا آيةُ : { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ . . . الآية } ( 2 ) اللهمَّ إلا أن يقالَ : إن هذا من باب تخصيصِ الكتابِ بالسنة ، وإلاَّ أشكلَ إبقاؤُها مع قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : « لا وصية لوارثٍ » ( 3 ) أفتونا بالتحقيق الذي هو إثباتُ المسألةِ بدلائلها ؛ فإن الحاجة ماسَّةٌ إلى ذلك . أقول : قد ذهب جمهورُ أهلِ الأصولِ إلى جوازِ نسخِ القرآنِ بالسنةِ المتواترةِ ، ( 4 ) وخالف في ذلك الشافعيُّ ، ( 5 ) وتابعه على ذلك طائفةٌ ، ( 6 ) وبه قال أئمة الزيديةِ .
هامش
( 1 ) النسخ لغةً : الإبطال والإزالة ومنه نسخت الشمسُ الظلَّ والريح آثار القوم ومنه تناسخ القرون . ويطلق ويراد به النقل والتمويل ومنه نسخت الكتاب أي نقلته ومنه قوله تعالى : { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجاثية : 29 ] . انظر : ( مقاييس اللغة ) ( 5 / 424 ) ( 14 / 121 ) . النسخ في الاصطلاح : هو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه . ( اللمع ) ( ص 30 ) ، و ( البحر المحيط ) ( 4 / 65 ) . ( 2 ) [ البقرة : 180 ] . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 4 / 186 ، 187 ) ، وابن ماجة رقم ( 2712 ) ، والنسائي ( 6 / 247 ) ، والترمذي رقم ( 2121 ) ، وقال : حديث حسن صحيح . من حديث عمرو بن خارجة . وهو حديث صحيح بشواهده . ( 4 ) انظر ( إرشاد الفحول ) ( ص 629 - 630 ) و ( البحر المحيط ) ( 4 / 110 ) . ( 5 ) انظر الرسالة ( ص 106 ) . ( 6 ) قال الشوكاني في ( إرشاد الفحول ) ( ص 630 ) : وذهب الشافعي في عامة كتبه كما قال ابن السَّمعاني إلى أنَّه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة بحال وإن كانت متواترةٌ وبه جزم الصيرفيُّ والخفاف ونقله عبد الوهاب عن أكثر الشافعية . وقال أبو منصور : أجمع أصحاب الشافعي على المنع وهذا يخالف ما حكاه ابن فورك عنهم فإنه حكى عن أكثرهم القول بالجواز : ثم اختلف المانعون فمنهم من منعه عقلاً وشرعًا ، ومنهم من منعه شرعًا لا عقلاً واستدل على ذلك بقوله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } [ البقرة : 106 ] . قالوا : ولا تكون السنة خيرًا من القرآن ولا مثله قالوا : ولم نجد في القرآن آية منسوخة بالسنة . وقد استنكر جماعة من العلماء ما ذهب إليه الشافعي من المنع حتى قال إلكيا الهراسي هفوات الكبار على أقدارهم ، ومن عد خطؤه عظم قدره . انظر : ( البحر المحيط ) ( 4 / 112 ) . قال أبو منصور البغدادي مطلق السنة بل أراد السنة المنقولة آحادًا واكتفى بهذا الإطلاق لأن الغالب في السنة الآحاد . وقال الزركشي في ( البحر المحيط ) ( 4 / 115 ) : والصواب أن مقصود الشافعي أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما مثله ناسخ له . وهذا تعظيم عظيم وأدب مع الكتاب والسنة ومهم لموقع أحدهما من الآخر وكل من تكلم في هذه المسألة لم يقع على مراد الشافعي بل فهموا خلاف مراده حتى غلطوه وأولوه .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6237 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق