تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6171

مساهمون:

ص٦١٧١
ذلك في موطن من المواطنِ ؟ فإن هذا التجويزَ غايةُ ما فيه أن يكون مثلَ ذلك جائزًا في محل النزاعِ لا متعيَّنًا ، فيكون هذا الدليل الذي ساقه مقتضيًا بصحةِ ما قاله خصمُه ، فاندفعَ الاعتراضُ ، وبطل البحثُ من أصله . هذا على فرض أن الخصمَ يسلِّم صحةَ الحذفِ في المتنازعِ فيه ، واحتمالَه لذلك ، فكيف إذا كان قائمًا في مقام المنع مسنِدًا له بأن الطرفَ مذكورٌ بتمامه ، وأن مأخذه متركبٌ ومعناه متعدِّد ! قال : فإن قلتَ : على أي هذه الوجوه الثلاثة يحملُ كلامَ العلامة ؟ قلتُ : على الوجه الثاني ، فإنه جعل المشبَّه به اعتلاء الراكبِ ، ويُعْلَمُ من ذلك أن المشبَّه هو التمسُّكُ بالهدى ، وأن وجهَ الشَّبِه هو التمكن والاستقرارُ . وأما قوله مَثَلٌ فمعناه تمثيلٌ - أي تصويرٌ - فإن المقصودَ من الاستعارة تصويرُ المشبَّهِ بصورةِ المشبَّهِ بهِ ، بل تصويرُ وصفِ المشبَّهِ بصورة وصفِ المشبَّهِ به . مثلاً إذا قلتَ [ 17 ] : رأيت أسدًا يرمي فقد صوَّرتَ الشجاعَ بصورة الأسدِ ، بل صورت شجاعتَه بصورة جراءته ، ولما كان المقصدُ الأعلى تصويرَ ما في المشبَّه من وجه الشَّبَهِ قدَّمَ التمكُّنَ والاستقرارَ على التمسُّك الذي هو المشبَّه وإنما قال : ومعنى ( على ) تنبيهًا على أن استعارةَ اللفظِ تابعةٌ لاستعارة المعنى ، ليكون معناها للمبالغة . أقول : قد تقدم دفعُ هذا بما لا يحتاج إلى تكريره هنا . وقد عرفت مصطلحَ أهلِ الفنِّ إذا أطلقوا لفظَ المثلِ في مثل هذا المقامِ فافهمْ بأنهم لا يريدون به إلا الاستعارةَ التمثيليةَ . ولما كان ذلك مناديًا بصحة ما قاله السعدُ ، وفسادِ ما قاله الشريفُ أبلغُ مناداةٍ حاول إخراجَه عن معنى المصطلح عليه تتميمًا لدعواهُ ، وترويجًا لاعتراضه ، ولا سيما بعد التصريح من قبل صاحب الكشافِ بما لا يبقي عنده شكٌّ في مراده حيث قال : شُبِّهَتْ حالُهم . . . إلخ . إن لفظَ المثل في مثل هذا الموطن محتملاً لما زعمه لكان هذا التصريحُ مانعًا من إرادة ما أراده ، ودافعًا لحملِه على ذلك . ثم تأمَّل قولَه : وإنما قال : ومعنى الكشافِ - يعني الزمخشري - فإن هذا لما كان مصرِّحًا بأن المستعارَ منه هو معنى الاستعلاء لا