البحث الثاني : [ عدم اقتصار الفتنة على الظالم . . . ]
في تقرير معنى قوله تعالى : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } ( 1 ) قال أبو السعود ( 2 ) : ( أي لا تختصُّ إصابتُها من يباشرُ الظلم منكم ، بل تعمُّه وغَيْرَهُ كإقرار المنكر بين أَظهرِهم ، والمداهنةِ في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ ، وافتراقِ الكلمة ، وظهورِ البدعِ ، والتكاسُلِ في الجهاد ، وقوله : { لَا تُصِيبَنَّ } إما جوابُ الشرطِ مقدرٌ على معنى : ( إن أصابتْكم لا تصيبنَّ ) وفيه أن جوابَ الشرط مترددُ ، فلا تليقُ به النونُ المؤكدةُ ، لكنه لما تضمن معنى النهي [ 3 أ ] ساق فيه ، كقوله تعالى : { لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ } وإما صفة لفته و ( لا ) للنفي ، وفيه شذوذ ، لأن النون لا تدخلُ المنفي في غير القسمِ أو للنهي ، على إرادة القول ، كقول من قال :
حتى إذا جنَّ الظلامُ واختلطْ . . . جاؤوا بمِذقٍ هل رأيتَ الذئبَ قطْ
وإِما جواب قسم محذوفٍ كقراءة من قرأ : ( لَتُصِيْبَنَّ ) ( 3 )
هامش
( 1 ) [ الأنفال : 25 ] .
( 2 ) في تفسيره ( إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ) ( 3 / 314 ) بتحقيقي .
( 3 ) قال القرطبي في ( الجامع لأحكام القرآن ) ( 7 / 391 - 392 ) : قوله تعالى : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } فيه مسألتان :
الأولى : قال ابن عباس : أمر الله المؤمنين ألا يُقرّوا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب .
الثانية : اختلف النحاة في دخول النون في ( لا تصيبن ) قال الفراء : هو بمنزلة قولك : انزل عن الدابة لا تطرحنَّك فهو جواب الأمر بلفظ النهي أي إن تنزل عنها لا تطرحنَّك ومثله قوله تعالى : { ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ } أي إن تدخلوا لا يحطمنكم فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء .
وقيل : لأنه خرج مخرج القسم ، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القسم .
وقال أبو العباس المبرّد : إنّه نهي بعد أمر ، والمعنى النهي للظالمين أي لا تقربنَّ الظلم .
وحكى سيبويه : لا أرينّك هاهنا ، أي لا تكن هاهنا فإنّه من كان هاهنا رأيته .
وقال الجرجاني : المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة فقوله : { لَا تُصِيبَنَّ } نهي في موضع وصف النكرة وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا - وهذا القول مردود فقد قال محيي الدين الدرويش . في ( إعراب القرآن الكريم ) ( 3 / 555 ) : واختلفوا في ( لا ) من قوله تعالى : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } على قولين : أ ) أن ( لا ) ناهية وهو نهي بعد أمر ، أي إنّه كلام منقطع عما قبله ، كقولك صلِّ الصبحَ ولا تضرب زيدًا ، فالأصل : اتقوا فتنة ، أي عذابًا ، ثم قيل : لا تتعرضوا للفتنة فتصيب الذين
. . وعلى هذا فالإصابة بالمتعرضين ، وتوكيد الفعل بالنون واضح لاقترانه بحرف الطلب ، مثل : { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا } ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع ، فوجب إضمار القول . أي : واتقوا فتنة مقولاً فيها ذلك كما قيل في قوله :
حتى إذا جن الظلام واختلط جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط ( ب ) أنها نافعة واختلف القائلون بذلك على قولين :
1 - أن الجملة صفة لفتنة ، ولا حاجة إلى إضمار قول ، لأن الجملة خبرية وعلى هذا فيكون دخول النون شاذًّا مثله في قوله :
فلا الجارة الدنيا بلها تُلحَّينَّها . . . ولا الضيف فيها إنْ أناخ مُحَوِّل
بل هو في الآية أسهل ، لعدم الفصل ، وهو فيهما سماعي والذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية وعلى هذا الوجه تكون الإصابة عامة للظالم وغيره لا خاصة بالظالمين . كما ذكره الزمخشري ، لأنها قد وصفت بأنها لا تصيب الظالمين خاصة فكيف تكون مع هذا خاصة بهم ! !
2 - أن الفعل جواب الأمر وعلى هذا فيكون التوكيد خارجًا عن القياس شاذًّا وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري وهو فاسد ، لأن المعنى حينئذ : فإنكم إن تتقوها لا تصب الظالم خاصة . وقوله : إن التقدير إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة ، مردود لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر لا من جنس الجواب .