يدعو شيئًا مما يحتاج إليه ، وبيان ذلك أنهم أولاً ذكروا حدَّ البلاغة والفصاحةِ ، ( 1 ) وما ينافيها حتى صارتا معلومتينِ لكل فاهم . ثم بعد ذلك ذكروا حدَّ علم المعاني بحيث ينطبقُ على ما يصدُقُ عليه مفهوم هذا العلم ، وأوضحوا ذلك بذكر أحوال الإسناد ( 2 ) والمسندِ ( 3 ) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) البلاغة في المتكلم ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ ، أي كيفية راسخة في النفس يقدر بها صاحبها على أن يؤلف كلامًا مطابقًا لمقتضى الحال فصيحًا في أي معنى قصده ، وفي أي نوع أراده ، فلو لم يكن ذا ملكة يقتدر بها على ما ذكر لم يكن بليغًا على قياس ما سيأتي في الفصاحة .
ومن تأمَّل ما سبق عَلِمَ أن البلاغة أخصّ ، والفصاحة أعم ، وأنَّ كل ما يطلق عليه لفظ ( البليغ ) كلامًا كان أو متكلمًا يطلق عليه لفظ ( الفصيح ) يطلق عليه لفظ ( البليغ ) لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال ، أو متكلم ذو ملكة يقتدر بها على الفصيح الغير المطابق لمقتضى الحال . وليعلم أن البلاغة يتوقف حصولها وتحققها على حصول أمرين :
1 - الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المقصود ، إذ ربما أدّى المعنى المراد بلفظ غير مطابق لمقتضى الحال فلا يكون بليغًا .
2 - تمييز الكلام الفصيح من غيره ، إذ ربما أورد الكلام المطابق لمقتضى الحال غير فصيح ، لاختلال ركن من أركان فصاحة الكلام فيه ، فلا يكون بليغًا .
فمسّت الحاجة إلى علمين يحترز بهما عن الخطأ في تأدية المعنى المراد ، وعن التعقيد المعنوي المخلّ بفصاحة الكلام والأول منهما هو ( علم المعاني ) والثاني : ( علم البيان ) ويسمّيان بعلمي البلاغة . ولما كان ( علم البديع ) به تعرف وجوه تحسين الكلام جعل تابعًا لهذين العلمين ، حتى تعرف طرق التحسين الذاتي بهما ، والعرضيِّ به ، فانحصر المقصود من علمي البلاغة وتوابعها في ثلاث فنون .
( معجم البلاغة العربية ) ( ص 88 ) .
( 2 ) الإسناد الخبري : هو ضمّ كلمة أو ما يجري مجراها - كالجملة الواقعة موقع مفرد - إلى أخرى على وجه يفيد أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى ، أو منفي عنه .
نحو : ( الحزم نافع ) ونحو عليٍّ أخلاقه ( حسنه ) وعلي حسنته أخلاقه ونحو ما علي بخائن .
وانظر مزيد تفصيل : ( جواهر البلاغة ) ( ص 40 ) .
( 3 ) المسند يكون مفردًا لا جملة ، لكونه غير سببي ، ولم يقصد به تقوية الحكم نحو : ( عليٌّ مسافر ) فأما السببي نحو : ( زيد أبوه منطلق ) أو ( انطلق أبوه ) وما شاكل ذلك من كل جملة واقعة خبرًا عن مبتدأ يربطها به عائد غير مسند إليه في تلك الجملة ، فيبقي جملة لتعينها في الإخبار ، وكذلك ما قصد به تقوية الحكم ، فلا يعدل عنه إلى المفرد ، حتى لا تزول التقوية إذا أُفرد .
ويكون المسند فعلاً تقييده على أخصر وجه مع إفادة التجدد بأحد الأزمنة الثلاثة : الماضي ، وهو الزمان الذي قبل الذي أنت فيه . والمستقبل ، وهو ما يترتب وجوده بعد هذا الزمان .
والحال : وهو في عرف أهل العربية أجزاء متعاقبة من أواخر الماضي ، وأوائل المستقبل ، قد تطول وقد تقصر ، بحسب اختلاف الفعل في نحو قولنا : ( زيد يصلّي ، أو يحجّ ) مرادًا بذلك الحصول في الحال .
ويكون اسمًا لإفادة الثبوت لأغراض تتعلق بذلك ، كما في مقام المدح فقولنا : ( زيد مكرم لضيفه ) يدل على ثبوت أكرام الضيفان لزيد ، من غير نظر إلى زمان ولا تجدد بعد عدم ، ولا كذلك قولنا : ( زيد أكرم أو يكرم ضيفه ) فإنّه يدل علي حصول في الماضي ، وثانيًا علي حصول في الحال أو في المستقبل بعد أن لم يكن .
ويكون المسند جملة للأغراض الآتية :
1 ) تقوية ثبوت المسند للمسند إليه ، أو نفيه عنه نحو : ( زيد قام ) ويختص التقوي بما يكون مسندًا إلى ضمير المبتدأ المعتد به كما في المثال السابق . وسبب التقوي تكرر الإسناد .
2 ) كون المسند سببيًّا ، نحو : ( زيد أبوه قائم ) و ( عليّ أكرمته ) .
3 ) كون المسند إليه ضمير شأن نحو : ( هو الله أحد ) .
4 ) إرادة التخصيص . نحو : أنا سعيت في حاجتك ، فالتقوية وإن كانت حاصلة هنا ليست مقصودة لذاته .
وتكون جملة المسند اسمية لإفادة الثبوت ، وفعلية لإفادة التجدد والحدوث في أحد الأزمنة الثلاثة على أخصر وجه ، وشرطية للاعتبارات المختلفة الحاصلة من أدوات الشرط في نحو : زيد إن تلقه يكرمك ) أو إذا لقيته يكرمك فقد أخبرت أولاً بالإكرام الذي يحصل على تقدير اللقاء المشكوك فيه ، وثانيًا بالإكرام الحاصل على تقدير وقوع اللقاء المحقق .
ومواضع المسند ثمانية :
1 - خبر المبتدأ : نحو ( قادر ) من قوله : ( الله قادر ) .
2 - اسم الفعل : نحو هيهات ، وَيْ ، آمين .
3 - الفعل التام : نحو ( حضر ) من قولك : حضر الأمير .
4 - المبتدأ الوصف المستغني عن الخبر بمرفوعه : نحو ( عارف ) من قولك : ( أعارفٌ أخوك قدر الإنصاف ؟ ) .
5 - وأخبار النواسخ ( كان ونظائرها ) و ( إنَّ ونظائرها ) .
6 - والمفعول الثاني لظنَّ وأخواتها .
7 - والمفعول الثالث لأرى وأخواتها .
8 - والمصدر النائب عن فعل الأمر .
انظر : ( جواهر البلاغة ) ( ص 41 ) ، ( معجم البلاغة العربية ) ( ص 286 ) .