تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6062

مساهمون:

ص٦٠٦٢
والبيان ( 1 ) والعلم الذي به تبين دقائق العربية وأسرارُها ، وقد أوعت فيه أئمتُه بحيث لم
هامش
( 1 ) البيان : لغة الكشف والتوضيح والظهور ، وهو في الاصطلاح عبارة عن المنطق الفصيح المعبر عما في الضمير . والبيان عند البلاغيين : هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بتراكيب مختلفة في وضوح الدلالة على المعنى المراد ، بأن تكون دلالة بعضها أجلى من بعض . ? وسمّي ( علم البيان ) لأن له مزيد تعلُّ بالوضوح والبيان ، من حيث أن علم البيان يعرف به اختلاف طرق الدلالة في الوضوح والبيان . وكثيرٌ من البلاغيين يسمَّي علوم البلاغة الثلاثة - المعاني والبديع - علم البيان ، لتعلقها جميعًا بالبيان . وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير وبعضهم يسمي ( البيان والبديع ) تغليبًا للبيان المتبوع على البيان التابع . وهذا يقع كثيرًا في كلام الزمخشري في ( الكشاف ) . والفصاحة والبلاغة والبيان ، ألفاظ تشترك في كثير من المعاني ، ويختص كل واحد منها بما ليس للآخر . لكن الفصاحة : أصلها الخلوص من الشوائب ، لقولهم : أفصحَ اللبنُ وفَصحُ . إذا خلص من اللباء . وذلك في الكلام لا يكاد ينفك عن أن يكون بيّنًا . فالفصاحة أعم من البيان من وجه . والبيان أعمّ من الفصاحة من وجه . فإنَّ البيِّن قد لا يكون كلامًا ، والخالص من الشوائب قد لا يكون بيِّنًا . وكذلك البلاغة مع كل من الفصاحة والبيان ، ومعنى البلاغة انتهاء الشيء إلى غايته المطلوبة ، وكل واحد من الألفاظ الثلاثة يستعمل في الكلام وفي غيره . والكلام في هذه المعاني الثلاثة هو بالنسبة إلى وقوعها في الكلام لا غير . فالفصاحة تكون بالنسبة إلى اللفظ من وجهين : أحدهما : أن يخرج المتكلم الحروف من مخارجها ، ويخلّص بعضها من بعض . الثاني : أن يكون اللفظ مما تداوله فصحاء العرب ، وكثر في كلامهم . وتكون الفصاحة أيضًا بالنسبة إلى المعنى وهو أن يكون الكلام مخلصًا من غيره . والبلاغة تتعلق بالمعنى فقط ، وهو أن يبلغ المعنى في نفس السامع مبلغة ، ومما يعين على ذلك الفصاحة في كلام العرب ، لا أن الفصاحة من أجزاء البلاغة فإنَّ الأعجمي إذا كلّم الأعجمي ، فبلغ المعنى غاية مبلغه كان كلامه بليغًا . ووصف بالبلاغة ، وكلامه ليس من كلام العرب . والبيان في عرف الكلام أتمّ من كل واحد من الفصاحة والبلاغة ، لأن كل واحد منهما من مادته ، وداخل في حقيقته ولذلك قلنا ( علم البيان ) وتكلمنا فيه في الفصاحة والبلاغة وغيرهما ، ولم يوضع علم للفصاحة ، ولا علم للبلاغة . والبيان عند البلاغيين - كم تقدم - علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه . ? فمثال إيراد المعنى بطرق مختلفة ، في باب ( الكناية ) أن يقال في وصف زيد بالجود مثلاً : زيد مهزول الفصيل ، وزيد جبان الكلب ، وزيد كثير الرماد . فهذه التراكيب تفيد وصفه بالجود على طريق الكناية ، لأن هزال الفصيل إنّما يكون بإعطاء لبن أمه للأضياف . وجبن الكلب ولا يتجاسر عليه ، وهو معنى جبنه ، وكثرة الرماد من كثرة الإحراق للطبائخ من كثرة الأضياف . وهي مختلفة وضوحًا ، وكثرة الرماد أوضحها ، فيخاطب به عند المناسبة كأن يكون المخاطب لا يفهم بغير ذلك . ? ومثال إيراده بطرق ( الاستعارة ) أن يقال مثلاً في وصفه بالجود : رأيت بحرًا في الدار ، في الاستعارة ( التحقيقية وطم زيد بالإنعام جميع الأنام ، في الاستعارة بالكناية ، لأن الطموم ، وهو الغمر بالماء من وصف البحر ، فدلَّ على أنّه أضمر تشبيهه بالبحر في النفس ، وهو الاستعارة بالكناية ، ولجة زيد تتلاطم أمواجها . وذلك مما يدل علي إضمار التشبيه في النفس أيضًا وأوضح هذه الطرق الأوَّل ، وأخفاها الوسط . - ومثال إيراده في التشبيه أن يقال : زيد كالبحر في السخاء . وزيد بحر . وأظهرها ما صرَّح فيه بالوجه ، وأخفاها - وهو أوكدها - ما حذف فيه الوجه والأداة معًا . فيخاطب بكل من هذه الأوجه في هذه الأبواب بما يناسب المقام من الخفاء والوضوح . ويعرف ذلك بهذا الفن . ومما تقدم يعلم أن ( البيان ) يطلق على معنيين : 1 ) : معنى أدبي واسع يشمل الإفصاح عن كل ما يختلج في النفس من المعاني والأفكار والأحاسيس والمشاعر بأساليب لها حظها الممتاز من الدقة والإصابة والوضوح والجمال ، وهو بهذا التعميم يجمع فنون البلاغة الثلاثة : المعاني والبيان والبديع . 2 ) : معنى علمي محدود وهو التعبير عن المعنى الواحد بطريق الحقيقة أو المجاز أو الكناية ، كما سلف . وقد حصر البلاغيون أصول علم البيان في أربعة أصول هي : 1 - أصلان ذاتيان . وهما المجاز ، والكناية . 2 - أصل واحد وسيلة وهو التشبيه . 3 - أصل واحد جزء من أصل ، وهو الاستعارة . انظر : ( معجم البلاغة العربية ) ( 100 / 103 ) ، ( الإيضاح في علوم البلاغة ) للخطيب القزويني ( ص 201 - 203 ) ، ( جواهر البلاغة في ( المعاني والبلاغة والبديع ) ( ص 197 ) . ? واعلم أنه واضع علم البيان أبو عبيدة الذي دوَّن مسائل هذا العلم في كتابه المسمَّى ( مجاز القرآن ) وما زال ينمو شيئًا فشيئًا حتى وصل إلى الإمام : عبد القاهر ، فأحكم أساسه وشيَّد بناءه ، ورتَّب قواعده وتبعه الجاحظ وابن المعتز وقدامة بن جعفر ، وأبو هلال العسكري . وثمرته الوقوف على أسرار كلام العرب ( منثوره ومنظومه ) ومعرفة ما فيه من تفاوت في فنون الفصاحة ، وتباين في درجات البلاغة التي يصل بها إلى مرتبة إعجاز القرآن الكريم الذي حار الجنُّ والإنس في محاكاته ، وعجزوا عن الإتيان بمثله . انظر : ( جواهر البلاغة ) ( ص 198 ) .