للمعتزلة ( 1 ) في قولهم الفاسد : إنه سبحانه وتعالى أراد هداية الجميع ، جل الله أن يريد ما لا يقع ، أو يقع ما لا يريد . انتهى .
أقول : هذه المسألة قد طال فيها النزاع بين الأشعرية ( 2 ) والمعتزلة وتمسك كل منهم بظواهر قرآنية ، وكلامهم يعود إلى مسألة خلق الأفعال ( 3 ) ، وفيها من الكلام واختلاف الأقوال ما هو معروف ، والمذهب الحق الذي لا يتمذهب به إلا أهل التوفيق : هو ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين من الإيمان بما جاء به الكتاب العزيز والسنة المطهرة وإمرار الصفات على ظاهرها من دون تعرض لتأويل ولا اشتغال بتطويل .
وقد أوضحت ذلك في الجواب الذي أجبت به على السؤال الوارد من علماء مكة المشرفة وسميته : " التحف في الإرشاد إلى مذاهب السلف " ( 4 ) ، فمن وقف عليه وفهمه حق فهمه وضع عن ظهره عباء ( 5 ) ثقيلا وأماط عن قلبه كربا طويلا ، والمهدي من هداه الله ، بيده الخير كله دقه وجله .
وفي قوله : " فاستهدوني أهدكم " دليل على أنه ينبغي لكل عبد من عباد الله سبحانه أن يسأله الهداية له إلى ما يرضيه منه ، فمن هداه الله فاز لأنها إن كانت الهداية :
1 - بمعنى إرادة الطريق ، كما في قوله سبحانه : { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } فكل عاقل لا يختار لنفسه بعد أن يرى طريق الحق وسبيل الرشد إلا سلوكه والمرور فيه ، فإن اختار طريق الضلالة فهو معاند واقع في الشر على علم به واختيار له ، وليس بعد هذا في عمى البصير وفساد العقل شيء ، وعلى نفسها تجني براقش ( 6 ) .
هامش
( 1 ) تقدم التعريف بها .
( 2 ) تقدم التعريف بها .
( 3 ) انظر الرسالة رقم ( 1 ) .
( 4 ) انظر الرسالة رقم ( 19 ) من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني .
( 5 ) كذا في المخطوط وصوابه ( عبئا ) . " القاموس " ( ص 59 ) .
( 6 ) تقدم شرح المثل .