عمرو ( 1 ) : وهو إذ ذاك كافر ، ووقع ذلك من أمته بعده ، فتارة يدعو إلى كتاب الله من كان محقًا كما وقع في صفين ( 2 ) ، ولم يقل أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - يوم صفين إنها لا تجب إجابة الداعين إلى كتاب الله ، بل قال : إنهم فعلوا ذلك خدعًا ومكرًا ، وأنهم لو كانوا صادقين في الدعوة إلى كتاب الله لكان أولى لذلك منهم ، وأحق به ، فلم ينكر أصل الدعوة ، ووجوب الإجابة إليها ، بل أبان أن الداعي لم يرد الدعوة الحقة ، بل أراد المكر والخدع ، وأنه لو أراد الدعوة الحقة لكان المدعو أحق منه بها ، ولو كانت الإجابة للدعوة الحقة عند أمير المؤمنين غير واجبة لم يدع إلى كتاب الله يوم الجمل ( 3 ) ، ولا يوم النهروان ( 4 ) ، وكيف ينسب ذلك إليه وهو كاتب كتاب المقاضاة في يوم الحديبية ( 5 ) ! فإذا كانت الإجابة لدعوة من دعا إلى التحكيم واجبة فكيف لا تجب إجابة من دعا إلى حاكم من حكام الشريعة ليحكم بحكم الله ! وكيف يقال : إن الإجابة في الآيتين المذكورتين مختصة برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ! .
الوجه الثامن : أنه قد تقرر في الأصول ( 6 ) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إذا فعل فعلا أو شرع الله له شرعًا كان التأسي به في ذلك ثابتًا على جميع أمته إلا أن يقوم دليل يدل على اختصاصه به [ 9 ب ] ، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ، وقد دل عليه كتاب الله - سبحانه - قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ( 7 ) وقال تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ( 8 ) ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 4180 ، 4181 ) .
( 2 ) انظر " البداية والنهاية " لابن كثير ( 7 / 264 - 270 ) .
( 3 ) انظر " البداية والنهاية " ( 7 / 241 ) .
( 4 ) تقدم ذكرها .
( 5 ) انظر " فتح الباري " ( 7 / 454 ) .
( 6 ) " إرشاد الفحول " ( ص 429 ) ، " البحر المحيط " ( 3 / 167 ) .
( 7 ) [ آل عمران : 31 ] .
( 8 ) [ الأحزاب : 21 ] .