التفاوت ، فإنه من أعظم الثمرات التي يستفيدها أهل العلم من علمهم . ومن أعظم البليات التي يبتلى بها أهل الجهل بجهلهم . وقد استوفيت الكلام على هذا ، وأوضحت ما على المقصرين المتوثبين على هذا المنصب من الوزر والمحن الأخروية والدنيوية في الكتاب الذي سميته : " القول المفيد في حكم التقليد " وهو مختصر جمعته في العام الماضي جوابًا عن سؤال من سأل عن حكم التقليد ( 1 ) .
إذا تقرر هذا فاعلم أن المناقش - كثر الله فوائده - يجل عن أن يلتزم ما قدمنا من
هامش
( 1 ) انظر الرسالة رقم ( 60 ) .
قال الشوكاني في " نيل الأوطار " ( 5 / 537 ) : ولكن هذه الترغيبات إنما هي في حق القاضي العادل ، الذي لم يسأل القضاء ، ولا استعان عليه بالشقاء ، وكان لديه من العلم بكتاب الله وسنة رسوله ما يعرف به الحق من الباطل بعد إحرازه مقدارا من آلاتهما يقدر به على الاجتهاد وفي إيراده وإصداره .
وأما من كان بعكس هذه الأوصاف أو بعضها ، فقد أوقع نفسه في مضيق وباع آخرته بدنياه ؛ لأن كل عاقل يعلم : أن تسلق القضاء وهو جاهل بالشريعة المطهرة جهلاً بسيطًا ، أو جهلاً مركبًا ، أو من كان قاصرًا عن رتبة الاجتهاد ، فلا حامل له على ذلك إلا حب المال والشرف أو أحدهما ؛ إذ لا يصح أن يكون الحامل من قبيل الدين ؛ لأن الله لم يوجب على من لم يتمكن من الحكم بما أنزل من الحق أن يتحمل هذا العبء الثقيل قبل تحصيل شرطه الذي يحرم قبوله قبل حصوله ، فعلم من هذا أن الحامل للمقصرين على التهافت على القضاء والتوثب على أحكام الله بدون ما شرطه ليس إلا الدنيا لا الدين .
وقال ابن قدامة في " المغني " ( 14 / 6 ) وفيه - أي القضاء - خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه ؛ ولذلك كان السلف - رحمهم الله - يمتنعون منه أشد الامتناع ، ويخشون على أنفسهم خطره . قال خاقان بن عبد الله : أريد أبو قلابة على قضاء البصرة ، فهرب إلى اليمامة ، فأريد على قضائها فهرب إلى الشام فأريد على قضائها وقيل : ليس ههنا غيرك ، قال : فأنزلوا الأمر على ما قلتم ، فإنما مثلي مثل سابح وقع في البحر ، فسبح يومه ، فانطلق ، ثم سبح اليوم الثاني ، فمضى أيضًا ، فلما كان اليوم الثالث فترت يداه . وكان يقال : أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة . ولعظم خطره قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين " من حديث أبي هريرة .
وهو حديث صحيح أخرجه أحمد ( 2 / 230 ، 365 ) وأبو داود رقم ( 3571 ، 3572 ) وابن ماجة رقم ( 2308 ) والترمذي رقم ( 1325 ) وقال : حديث حسن غريب .