الإجماع هو من النقل ، فكأنه قال لم يبق بعد الإجماع الذي هو من النقل إلا النقل ، ثم قال : أما القياس فلأن شرع جلد القذف . . . إلخ .
أقول : تعليل مشروعية القذف بكونه لدفع النقيصة كما زعمه إن كان لنقل عن الشارع فما هو ؟ وإن كان لنقل عن المتشرعين فباطل ، فإنهم ما زالوا يجلدون قاذف الرجل كما يجلدون قاذف المرأة في أيام الصحابة فما بعدهم ، وإن كان لمسلك من مسالك العلة المدونة في الأصول ، فكيف تقريره حتى يتكلم عليه ! وإن كان لنقل عن أهل الجاهلية فلا ينفعه ولا يضرنا ؛ لأن كلامنا في الحد الثابت في الشرع لا فيما كان عليه أهل الجاهلية ، فإنه لا شرع عندهم ولا حد ، فليس مثل هذا الكلام يشبه كلام أهل العلم المتكلمين في الأحكام الشرعية فما لنا ولما كان يلحق العرب من جهة النساء ، ثم لو قال قائل : إن حد القذف سبب مشروعيته حفظ الأعراض عن الشتم بهذه [ 1 ب ] المعصية كان ذلك أقرب مما جعله الغاية ، سواء كان المسلك الذي سلكه هو تخريج المناط ( 1 ) ، أو السبر ( 2 ) والتقسيم ( 3 ) ، ومن زعم أنه إذا قيل للرجل المسلم : يا زاني لم يكن ذلك شتمًا ، ولا يتأثر له المشتوم فقد أعظم الفرية على أهل الشرع .
قال : وأما الرجال فلم يكونوا يرون بأسًا ، بل ربما كانوا يشببون أشعارهم به فجرًا كما قال رئيسهم امرؤ القيس :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع . . . فألهيتها عن ذي تمائم محول ( 4 )
هامش
( 1 ) تقدم تعريفه .
( 2 ) تقدم تعريفه .
( 3 ) تقدم تعريفه .
( 4 ) وهو من قصيدة " قفا نبك " وهي معلقته المشهورة .
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل . . . بسقط اللوى بين الدخول فحومل
" ديوان امرئ القيس " ( ص 113 ) .
ومعناه : ذو تمائم محول : طفل لها رضيع له حول . ويروى أنه يقول لها منفقًا نفسه عندها : إن الحامل والمرضع لا تكادان ترغبان في الرجال ، وهما يرغبان في لجمالي ومزاياي .
" حاشية الديوان " ( ص 113 ) .