تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4744

مساهمون:

ص٤٧٤٤
ثم إذا كان الخصم قد نقل الإجماع فالمقام مقام أن تطلب منه صحة النقل لا مقام أن يقال له : هذا النقل لا يصح . فإن هذه مقابلة لدعوى بدعوى ، ولا بد أن يقال : من أين لك أن هذا النقل غير صحيح ؟ فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل ، وعليك إبطال ما نقله بإيراد من قال بما يخالف ما نقله الناقل ، فتقول مثلاً : قد قال فلان من العلماء بأنه لا يحد قاذف الرجل . قال : ولا دليل بعده إلا العقل وهو القياس والنقل ، ولا دليل فيهما . أما القياس فلأن شرع جلد القذف إنما كان لدفع النقيصة التي كانت تلحق العرب من جهة زنا النساء ولهذا كانوا يئدون البنات ( 1 ) . أقول : ما جزم به من أنه لا دليل بعده إلا العقل وهو القياس يتوقف على أن الاستحسان ( 2 ) ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) قال الأمير الصنعاني في " منحة الغفار حاشية ضوء النهار " ( 4 / 2270 - 2271 ) : قوله : إنما لدفع النقيصة ، لا بد من الدليل على أن هذه علة شرعية على حد القذف ، ولا دليل ، بل قد يقال : النقيصة قد وقعت بنفس الرمي والجلد لا يدفعها ، فلو قيل : أن العلة في شرعية حد القذف هي صيانة الأعراض ؛ لأنه إذا علم من يريد الرمي أنه يجلد ترك ذلك كما في حكمة مشروعية القصاص فإنها حقن للدماء ؛ لأنه إذا علم أنه إذا قتل ترك القتل كما أشار إليه قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } لكان أولى والنساء والرجال في هذا سواء . قوله : ولهذا كانوا يئدون البنات ، قال الأمير الصنعاني تعليقًا على ذلك ما نصه : " أي كان العرب يقتلون البنات صغارًا لدفع نقيصة الرمي بالزنى سدًا للذريعة بقتلهن صغارًا ؛ وفي كتب التفسير أن قتل العرب للبنات إما مخافة الإملاق أو لخوف العار الذي يلحق من أجلهن ، ولا يخفى أن هذا الوأد للبنات إنما كان من بعض العرب خاصة وشرعية الجلد لكل من قذف محصنة من العرب كان أو العجم ، وكأن الشارح يريد أن ذلك سبب النزول فلا يمنع عموم الحكم " . انظر : " تفسير القرآن العظيم " لابن كثير ( 3 / 361 - 362 ) . ( 2 ) الاستحسان : هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص ، وهو مذهب أحمد . وقد تقدم . " المسودة " ( ص 451 ) . حجية الاستحسان : 1 - ذهب جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة أنه دليل شرعي تثبت به الأحكام في مقابلة ما يوجبه القياس ، أو عموم النص ، وقد تعدت عباراتهم في تعريفه وفي بيان أنواعه . 2 - ذهب الشافعي إلى أنه ليس بدليل شرعي ، فقد قال الشافعي في الرسالة ( ص 503 ) : " الاستحسان تلذذ ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا " . 3 - ذهب فريق من العلماء أنه دليل شرعي ولكنه ليس دليلاً مستقلاً بل هو راجع إلى الأدلة الشرعية الأخرى ؛ لأن مآله عند التحقيق هو العمل بقياس ترجيح على قياس أو العمل بالعرف ، أو المصلحة . فقد قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 789 ) آخر البحث الرابع الاستحسان ما نصه : فعرفت بمجموع ما ذكرنا أن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه أصلاً ؛ لأنه إن كان راجعًا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار ، وإن كان خارجًا عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من التقول على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى . وانظر " تيسير التحرير " ( 4 / 78 ) ، " اللمع " ( ص 68 ) .