تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4615

مساهمون:

ص٤٦١٥
بسم الله الرحمن الرحيم يا من حرمت الظلم على عبادك ( 1 ) كما حرمته على نفسك ، أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأستكثر من حمدك وشكرك ، فقد أوضحت السبيل وشفيت الغليل بما أنزلته علينا في محكم التنزيل من النعي على الظلمة بتلك الآيات المحكمة ، والقوارع المؤلمة ، فأقمت الحجة ، وأوضحت الحجة بكلام يفهمه الصم ، ونظام لا يخفى على العمي البكم ، ولم تدع دقيقًا ولا جليلاً ، ونقيرًا ولا فتيلاً إلا أوضحته أتم إيضاح ، وأبنته أكمل بيان ، فإنك - تعالى جدك ، وتضاعف شكرك وحمدك - لم تكتف ببيان المؤآخذة على مثاقيل الذر إذ قلت : { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( 2 ) حتى أبنت المؤآخذة بمثقال حبة الخردل كما قلت : { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } ( 3 ) بل تجاوزت هذه الغاية وأوضحت لنا ما هو دون هذه النهاية ، فأخذت على العباد ألا يظلموا الناس شيئًا ، وقلت : { فلا تظلم نفس شيئا } ( 4 ) ؛ فإن الشيء يصدق على عشر معشار الخردلة فما دونه ، فسبحانك ما أوضح برهانك ! وأتم بيانك ! وأقوم حجتك ! وأحكم حكمتك ! ولما كانت رحمتك سابقة لغضبك ( 5 ) . وشفقتك على عبادك أكمل من شفقة الأم على
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2577 ) والترمذي رقم ( 2495 ) وقال : حديث حسن . وابن ماجة رقم ( 4257 ) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم . . . " . وانظر الرسالة رقم ( 180 ) . ( 2 ) [ الزلزلة : 8 ] . ( 3 ) [ الأنبياء : 47 ] . ( 4 ) [ الأنبياء : 47 ] . ( 5 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم ( 7404 ) ومسلم رقم ( 2751 ) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي " .