من المفاسد مصالح ، وما هو من المصالح مفاسد ، وهكذا من لم يكن بمحل من الورع ، فإنه قد يجعل ذلك ذريعة إلى مقاصده الفاسدة .
الوجه الموفي ستين : إن قلت : هل يقيد ما رجحته من جعل الحديث مخصصًا بالقيد الذي ذكره أبو موسى في الرواية التي ذكرناها عنه في حديث الباب ، وهو الدابة والشاة والبعير ، وما شابهها ؟ .
قلت : نعم فإن لم يقل ذلك برأيه ، بل قاله حاكيًا لما كان يفعله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ولكن إذا وقع التمرد والعناد والتصميم عليه فذلك مبيح للدم ، فضلاً عن كثير من المال .
واعلم أن هذا القضاء على من لم يحضر ليس هو القضاء الذي ذكره أهل الفقه على الغائب ( 1 ) والمتمرد ، فإن الذي نحن بصدده هو القضاء على المتمرد بمجرد تمرده بخلاف ما
هامش
( 1 ) والمدعى عليه الغائب قد يكون مقيمًا في غير بلد القاضي ، أو يكون مقيمًا في بلد القاضي .
قال ابن قدامة في " المغني " ( 14 / 93 - 94 ) : وجملته أن من ادعى حقًا على غائب في بلد آخر ، وطلب من الحاكم سماع البينة ، والحكم بها عليه ، فعلى الحاكم إجابته ، إذا كملت الشرائط . وبهذا قال شبرمة ومالك ، والأوزاعي ، والليث ، وسوار ، وأبو عبيد ، وإسحاق ، وابن المنذر .
وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب . وعن أحمد مثله . وبه قال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وروي ذلك عن القاسم ، والشعبي ، إلا أن أبا حنيفة قال : إذا كان له خصم حاضر ، من وكيل أو شفيع ، جاز الحكم عليه .
واحتجوا بما روي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لعلي : " إذا تقاضى إليك رجلان ، فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر ، فإنك تدري بما تقضي " تقدم تخريجه .
ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده ، فلم يجز ، كما لو كان الآخر في البلد ، ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ، ويقدح فيها ، فلم يجز الحكم عليه .
قال الماوردي : وأما سماع الدعوى على الغائب ، فإن لم تقترن بها بينة لم تسمع ؛ لأن سماعها غير مفيد ، وإن اقترن بها بينة سمعت وسمعت البينة عليها وهذا متفق عليه في جواز الدعوة والبينة على الغائب .
واختلف في معنى سماع البينة على الغائب .
فهو عند الشافعي ومن يرى القضاء على الغائب : سماع الحكم .
وعند أبي حنيفة ومن لا يرى القضاء على الغائب : سماع تحمل ، كالشهادة على الشهادة ، فأما القضاء على الغائب بعد سماع البينة عليه فلا تخلو غيبته من ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يكون غائبًا عن الحكم حاضرًا في مجلسه . فلا يجوز الحكم عليه إلا بعد حضوره وإمضاء الحكم عليه بعد إعلامه . وهذا متفق عليه وإن اختلف في معناه :
فهو عند الشافعي ومن يرى القضاء على الغائب : ارتفاع الضرورة .
وعند أبي حنيفة ومن لا يرى القضاء على الغائب : ما عساه يدفع به الحجة .
الحالة الثانية : أن يكون غائبًا في بلد الحكم ، فقد اختلف الفقهاء في جواز القضاء عليه مع غيبته على ثلاثة مذاهب :
1 - مذهب الشافعي : يجوز القضاء عليه مع غيبته في عموم الأحكام ، فيما ينقل وما لا ينقل ، سواء تعلقت بحاضر أو لم تتعلق بحاضر ، كما يجوز أن يحكم على الميت ، وعلى من لا يجيب عن نفسه من الصبي والمجنون . ومن شرط التنفيذ عليه بعد الحكم أن يستحلف المحكوم له على بقاء حقه بعد ثبوته .
2 - مذهب أبي حنيفة : أن القضاء على الغائب لا يجوز فيما ينقل وما لا ينقل إلا أن يتعلق بحاضر ، فيجوز أن يحكم عليه تبعًا للحاضر لقوله : غصبني هذا وفلان الغائب عبدًا ، أو ابتاع مني دارًا .
3 - مذهب مالك : يجوز القضاء على الغائب فيما ينقل ، ولا يجوز القضاء عليه فيما لا ينقل من العقار ، فهذه مذاهب الفقهاء في القضاء على الغائب .
الحالة الثالثة : أن يكون غائبًا عن مجلس الحكم وحاضرًا في بلده فقد اختلف أصحابنا : هل يجري مجرى الغائب عن البلد في جواز القضاء عليه ، أو يكون كالحاضر في مجلس الحكم في المنع من القضاء عليه ؟ وعلى وجهين :
أ - وهو الظاهر من مذهب الشافعي : لا يجوز القضاء إلا بعد حضوره ، للقدرة عليه في الحال ، كالحاضر في المجلس .
ب - وهو مذهب ابن شبرمة ، وأحمد ، وإسحاق : يجوز القضاء عليه كالغائب عن البلد .
قال ابن شبرمة : احكم عليه ولو كان وراء جدر .
فهذه أحوال الغائب واختلاف الفقهاء في القضاء عليه .
انظر مزيد تفصيل في " أدب القاضي للماوردي ( 2 / 293 - 294 ) ، " الحاوي " ( 20 / 369 - 385 ) " روضة القضاة " ( 1 / 194 ) .