تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4542

مساهمون:

ص٤٥٤٢
ذلك واجبة ، لأن خصمه لم يكن قد حلف حتى ينقطع الحق بيمينه ، فالحاكم إذا صنع هذا فما صنع إلا ما هو محض الشريعة الغراء . فلو قال للمدعي بعد أن طلب اليمين وتهيأ لها المنكر فقال عند ذلك : له بينة ، وقال : بينة موجودة ، وخصمي لم يحلف ، فقال الحاكم قد قضي الأمر ، وجف القلم ، وانقطع الحق . وليس لك إلا ما قد طلبته من اليمين التي لم يكن قد نطق المنكر بحرف منها لكان هذا الحكم بالأحكام القراقوشية ( 1 ) أشبه منه بالأحكام الطاغوتية ، فضلاً عن الأحكام الشرعية . على أن هاهنا دقيقة لطيفة هي : أن المدعي قد يعلم أن خصمه المنكر قد يتورع عن اليمين إما خوفًا من الله - عز وجل - ، أو من العقوبة الدنيوية ، فإذا ترك طلبها منه حتى يبذلها ويتهيأ لها أتبعه بتحصيل البينة [ 4 ب ] ، وفتح له بعد ذلك أبواب الجرح والتعديل ، وأطال ذيل الخصومة بغير حق . ومعلوم أن مثل هذا ليس من الشريعة السمحة السهلة الواضحة التي ليلها كنهارها ، فإذا لم يجبه الحاكم إلى ذلك فقد ظلمه ظلمًا بينًا ، وتسبب لأحد أمرين : إما
هامش
( 1 ) قراقوش : هو قراقوش بن عبد الله الأسدي أبو سعيد بهاء الدين أمير نشأ في خدمة السلطان صلاح الدين الأيوبي ، وناب عنه في الديار المصرية كان همامًا مولعًا بالعمران ، بنى السور المحيط بالقاهرة وبنى قلعة الجبل ، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام . توفي سنة 597 ه‍ بالقاهرة تنسب إليه أحكام عجيبة في ولايته ، قال ابن خلكان : الظاهر أنها موضوعة فإن صلاح الدين كان يعتمد عليه في أحوال المملكة . ( وقره قوش ) كلمة تركية معناها " العقاب " الطائر المعروف وبه سمي الإنسان لشهامته وشجاعته واللفظ مكون من كلمتين هما ( قرة ) بمعنى أسود ( وقوش ) بمعنى طائر أو نسر . " الأعلام " للزركلي ( 5 / 193 ) ، " النجوم الزاهرة " ( 6 / 176 ) . قال ابن كثير في " البداية والنهاية " ( 2 / 337 - 338 ) " كان الأمير بهاء الدين قراقوش عالمًا فقيهًا - إلا أنه كرس نفسه للخدمة الإدارية العسكرية " . وكانت حياته حافلة بالإنجازات العظيمة والبطولات والإخلاص للإسلام والمسلمين خلال ملازمته القائد صلاح الدين الأيوبي وكذلك بعد وفاته ، مما جعله محط كيد الحاسدين وأعداء الإسلام والمسلمين .