على وجه لا يتميز ، بل كان بعضه من أموال الله مأخوذ على وجه العدل ، وبعضه مظلمة ملتبسة ، فمصارف المظالم الملتبسة على كلامهم معروف ، وهذا القاضي ونحوه منهم ، وإن كان لا يقنعك الجواب بما قاله أهل العلم ، فاعلم أن ما يأخذه القاضي ونحوه هو عوض ما تركه من الاحتراف على نفسه ، ومن يمول بالاحتراف على ما هو مصلحة عامة من مصالح المسلمين ، فما دفعه إليه السلطان أخذه .
وقد صح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كما ثبت في الصحيح أنه قال : « ما جاءك من هذا المال - وأنت غير مستشرف ، ولا سائل - فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك » ( 1 ) . فيأخذ ما دفع إليه إن كان لا يعلم فيه بشيء يحرم عليه ، فإن علم فيه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري رقم ( 1473 ) وطرفاه ( 7163 ، 7164 ) ، ومسلم رقم ( 1045 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
قال ابن حجر في " الفتح " ( 13 / 154 ) قال الطبري : في حديث عمر الدليل الواضح على أن من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك ، كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم لإعطاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمر العمالة على عمله .
وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء .
قال ابن بطال في تعليل الأفضلية - ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه - أن الأخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك ، لأنه إن لم يأخذ كان عند نفسه متطوعًا بالعمل ، فقد لا يجد جد من أخذ ركونًا إلى أنه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها .
قال القرطبي في " المفهم " ( 3 / 90 ) : قوله " وأنت غير مشرف ولا سائل " إشراف النفس : تطلعها وتشوفها وشرحها لأخذ المال . ولا شك أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال ، كان ذلك من أدل دليل على شدة الرغبة في الدنيا والحب لها ، وعدم الزهد فيها ، والركون إليها والتوسع فيها ، وكل ذلك أحوال مذمومة . فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة اجتنابًا للمذموم ، وقمعًا لدواعي النفس ، ومخالفة لها في هواها . فإن من لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة .
وقال القرطبي في " المفهم " ( 3 / 91 ) وهذا الحديث أصل في أن كل من عمل للمسلمين عملاً من أعمالهم العامة : كالولاية ، والقضاء والحسبة والإمامة فأرزاقهم في بيت مال المسلمين ، وأنهم يعطون ذلك بحسب عملهم .