تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4368

مساهمون:

ص٤٣٦٨
يشاهده ، بل عليه أن يحمد الله على السلامة والعافية . وأما الاستناد في الأحكام الشرعية إلى الأعراف ( 1 ) [ 19 ب ] المألوفة فلا ينبغي أن ينسب ذلك إلى الشرع إلا في مثل حمل إقرار المقر ، وحلف الحالف ، ونحو ذلك من المحاولات على عرف بلده وتشابهه ، فإن هذا له مدخل فيما يتعلق بالقضاء من هذه الحيثية ، لا من حيث جعله دليلا للحكم ؛ فإن ما وقع في كتب الأصول والفروع من الكلام على الأعراف ( 2 ) لا يراد به إلا هذا ، إلا في مثل تقديمهم مثلا لعرف الشرع على
هامش
( 1 ) تقدم تعريف العرف والكلام عنه . انظر الرسالة رقم ( 128 ) . ( 2 ) الاستعمالات الفقهية للعرف تنحصر في أربعة استعمالات وهي : ( أ ) : العرف الذي يكون دليلا على مشروعية الحكم ظاهرًا : وهو أن العرف يكون دليلا على الحكم ظاهرًا ، والدليل في الحقيقة : ما رجع إليه من السنة أو الإجماع أو اعتبار المصالح أو أصل إباحة ، أو غير ذلك من الأدلة ، ومن أمثلته المعاملات ، التصرفات التي بعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والناس يعتادونها ، ويتعاملون بها ، فأقرهم عليها ، كالمضاربة ، والسلم والاستصناع ، وكالقسامة . ( ب ) : العرف الذي يرجع إليه في تطبيق الأحكام المطلقة على الحوادث ، والمراد من هذا النوع : الرجوع إلى العرف في إقامة الأحكام الكلية حال تطبيقها على جزئيات الحوادث . . فالفقيه إذا عرضت له حادثة ، لم يرد من الشرع إلا حكم كلي مطلق يجمعها مع أمثالها ونظائرها " رجع في تطبيق هذا الحكم على هذه الحادثة الجزئية إلى تحكيم العرف والعوائد وضابط هذا النوع . وكليته الدالة عليه هي " كل ما ورد به الشرع مطلقًا ، ولا ضابط له فيه ، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف " . ومن أمثلة هذا الاستعمال العرفي الكبير : مالية الأشياء ، التعزير وأسبابه - إحياء الموات ما يخل بالمروءة ، وما يحقق شروط العدالة ، الإذن في الضيافة ، انتفاع المستأجر للعين المؤجرة بما جرت به العادة ومن أمثلة الرجوع إليه فيما يقدر : الحيض ، والطهر أقله وأكثره ، ومدته أكثر مدة الحمل ، سن اليأس . ومما يندرج تحت هذا الاستعمال : الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية ، ومن أمثلته : 1 - صغر ضبة الفضة وكبرها ، ثمن مثل ، مهر مثل ، كفء نكاح مؤنة ، ونفقة وكسوة وسكنى . فالعرف في كل هذه الأمثلة وتظافرها هو ضابط مطلقات الأحكام الكلية المستفادة من النصوص . ( ج ) : العرف الذي ينزل منزلة النطق بالأمر المتعارف : تجري بين الناس في تصرفاتهم عادات وأعراف دالة على الإذن في الشيء أو المنع منه أو تفيد الإلزام به ، أو بيان نوعه أو قدره ، وقد تكون قرينة تسوغ للشاهد أن يشهد ، وللقاضي أن يقضي ، وللمفتي أن يفتي . فهذه الفوائد تجري مجرى النطق بالعبارات الدالة على مضمونها . . ويكون للعرف الجاري بها قوة النطق باللفظ في اعتبار الشارع ، يرتب عليه ما رتبه على الألفاظ من الأحكام ، بمعنى أن قيام هذا النوع من العرف بين الناس يكون بمثابة نطق المتصرف ، وإنما تركوا التلفظ به اتكالا على إفادة العرف له ، وإعفاءً لأنفسهم من عمل تكلفت به طبيعة زمنهم . ودليله من حديث عروة بن أبي الجعد البارقي - رضي الله عنه - " أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاه دينارًا ليشتري به أضحية ، أو شاة ، فاشترى به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فأتاه بشاة ودينار ، فدعا له بالبركة في بيعه . . . " . فأنت ترى عروة - رضي الله عنه - اشترى شاتين وباع إحداهما بغير إذن لفظي وأقره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما ذاك إلا اعتمادًا من عروة على الإذن العرفي ، فإن مما جرى به العرف أن الوكيل مأذون له في مخالفة موكله إلى خير مما أمره به . ( د ) : الاستعمال الرابع : العرف القولي : أهم مجال يطبق فيه ويظهر فيه مداه الرحب الألفاظ المتعلقة بالتصرفات والعقود ، ألفاظ الوصايا والأوقاف ، الطلاق والعتاق ، ذلك لما تقرر من أن كل متكلم إنما بقصد ما يتعارفه ، وأن مطلق الكلام بين الناس ينصرف إلى المتعارف انظر مزيد تفصيل : " الأشباه والنظائر " ( ص 98 ) ، " فتح الباري " ( 4 / 406 ) ، " إعلام الموقعين " ( 2 / 393 ) .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4368 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق