تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4361

مساهمون:

ص٤٣٦١
والذي عندي أن حكام الشريعة إنما هم مترجمون لها ، مبينون لما فيها ، فمن أصاب الحق فقد أصاب ، ومن أخطأه فقد أخطأ ، وكون المخطي مأجورًا لا يستلزم لزوم حكمه ، وقيام الحجة به . فإذا حكم حاكم بمحض الرأي ، ظنًا منه أن دليل ذلك الحكم لا يوجد في الكتاب ، ولا في السنة ، ثم وجد غيره النص الدال على ذلك الحكم على وجه لا يتطرق إليه الرد ، ولا يتعاوره النقض كان حكم الحاكم الأول منقوضًا باطلا ، وإن كان له في ذلك الرأي الذي حكم به سلف من أهل العلم قد قالوا بقوله ، وإن لم يكن ذلك الدليل الذي وجده غيره قطعيًا . ويقال لذلك الحاكم الذي لم يجد النص : قد اجتهدت فأخطأت ، فلك أجر ، وأما أن حكمك لازم لغيرك فلا ، ولا كرامة بل هو رد عليك ، ولم تكن شارعًا للعباد شريعة من عندك حتى تلزمهم ما جئت به من الرأي الذي قد وجد النص من الشارع بخلافه ، بل أنت وسائر عباد الله متعبدون بهذه الشريعة التي بين أظهرنا ، ليس لكم أن تزيغوا عنها ، أو تخالفوها ، أو تعارضوها بمحض الرأي ، وجهل من جهل النص رد عليه ، لأنه أمر مخالف لما كان عليه أمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، وكل أمر مخالف لما كان عليه أمر رسول الله رد ، فهذا رد ، أما الصغرى فلأنه قد وجد النص من الشارع ، ونصه هو الذي كان عليه أمره بلا شك ولا شبهة ، وأما الكبرى فللحديث الصحيح المتلقى بالقبول عند جميع الطوائف الإسلامية ، وهو كل ما لم يكن عليه أمرنا فهو رد . لا يقال : إن ترافع الغريمين إلى الحاكم بمنزلة تحكيمهما له في تلك القضية التي اختصما فيها ، لأنا نقول : إنه لو كان ذلك كذلك فهما إنما ترافعا إليه ليحكم بينهما بالشريعة المطهرة ، لا بمحض رأيه ، فإنهما لم يقصداه لذاك ، ولا نصبه في منصب القضاء من نصبه إلا ليريح الخصوم بالشريعة المطهرة ، ولا يعدل عنها إلى الرأي
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4361 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق