مبرهن عليه حتى يكون تقديره مستندًا إلى ذلك البرهان ، بل كل عالم يقدره بحسب استعداده ، وقابليته ، ونفوذ ذهنه ، وثقوب فهمه كما نجده في كتب المجتهدين ، ويستفيده [ 16 أ ] من أنظار الناظرين . وعلى هذا فلا تثبت حجية حكم الحاكم على الخصمين إلا إذا كان مجمعًا على أهليته ؛ إذ المختلف في أهليته ليس بمجمع على حجية قوله ، وهذا بحث نفيس ينبغي إمعان النظر في تدبره وعدم المسارعة إلى رده بمجرد الاستبعاد له .
وقلتم : ولكن المفضول في الاجتهاد حكمه صحيح كالفاضل فيه .
وأقول : التسوية بين أحكام الحكام ، ولزومها للمحكوم عليه على أي صفة كانت إذا كان الحاكم جامعًا للشروط المعتبرة إنما هو باعتبار ما قد رسخ في الأذهان من القواعد المقررة ، كقول أهل الفقه : إنه لا ينقض ( 1 ) حكم حاكم إلا بدليل علمي ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) قال ابن قدامة في " المغني " ( 14 / 34 ) : وجملة ذلك أن الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه ، فبان له خطؤه أو بان له خطأ نفسه ، نظرت . فإن كان الخطأ لمخالفة نص كتاب أو سنة أو إجماع ، نقض حكمه ، وبهذا قال الشافعي وزاد : إذا خالف قياسًا جليًا نقضه .
وعن مالك وأبي حنيفة ، أنهما قالا : لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع . ثم ناقضا ذلك ، فقال مالك : إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه .
وقال أبو حنيفة : إذا حكم ببيع متروك التسمية ، أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه . وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة .
واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف ، فلم ينقض حكمه فيه . كما لا نص فيه . وحكي عن أبي ثور ، وداود ، أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه ، لأن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أبي موسى : لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ، ثم راجعت نفسك فيه اليوم ، فهديت رشدك أن تراجع فيه الحق ، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الإجماع .
وحكي عن مالك أنه وافقهما في قضاء نفسه . قال ابن قدامة : ولنا ، على نقضه إذا خالف نصًا أو إجماعًا ، أنه قضاء لم يصادف شرطه ، فوجب نقضه ، كما لو لم يخالف الإجماع ، وبيان مخالفته للشرط ، أن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص .
انظر " الحاوي الكبير " ( 20 / 70 - 76 ) .