من دونه على استخراجه ، وأحق هذه العلوم بالتوسع ، وأولاها بالتبحر علم السنة ( 1 ) ، وإمعان النظر فيما لا يتمهر فيها إلا به من الاطلاع على أحوال رواتها ، ومعرفة أسباب الجرح والتعديل ، وعدم القنوع بالجرح المجمل ، حتى يقف على السبب والترجيح عند تعارض التعديل والتجريح ، ومعرفة رجال إسناد كل حديث ذاتًا وصفةً ، والتدرب في علوم اصطلاح المحدثين ، فلهم اصطلاحات موضوعة بينهم لا يمكن تخريجها على المدلول اللغوي ، والبحث عن المؤلفات في متون الأحاديث وأسانيدها على ما تبلغ إليه القدرة ، ويقبله الفهم ، ويحصل عنده الظن بأنه لم يكن في المسألة غير ما قد علمه وحصل له من حفظه وبحثه ، ثم أحق العلوم بعد علم السنة بالاستكثار منه ، والتوسع فيه علم الأصول ، فإنه العلم الذي تدور عليه دوائر الاجتهاد ، ويترتب على تحقيقه الإصدار والإيراد ، ثم علم البلاغة ، ثم سائر العلوم المتعلقة باللغة ؛ فإن التوسع فيها يوجب لصاحبها ملكةً في الاستدلال لا توجد عند من هو دونه ، فإنه يصير بذلك مفسرًا لكتاب الله من دون مراجعة كتب التفسير ، وشارحًا لسنة رسول الله من غير مراجعة للشروح ، ثم على هذا المجتهد الذي يتصدر لإرشاد هذه الأمة أن يمعن النظر في أقوال [ 14 أ ] المجتهدين ، ويحفظ مذاهبهم ، أو يراجع المؤلفات الموضوعة لذلك عند الحاجة ، فإنه إذا عرف ذلك وجد له في كل مسألة سلفًا ، فيقوى جنابه ، وينثلج قلبه ، ويطمئن خاطره ، ويديم النظر في كتب التفسير وشروح الحديث ، وإن كان له من الملكة ما يقتدر به على ما يحتاج إليه من ذلك لكنه يجد ثمرات اجتهادات المجتهدين ، وأبكار أفكار المحققين محررة هنالك ، فيستفيد منها ما لا تفيده ملكته خصوصًا تأليفات الأئمة الكبار ، ومجاميع العلماء المشهورين بقوة الأنظار .
ومن أنفع ما يستفيد به من أراد نشر العلم أن يكرر النظر في المؤلفات الموضوعة لتحقيق الحق في مسائل الفقه ، فإنه يجد فيها ما يستعين به على مطلوبه ، ولا يبادر
هامش
( 1 ) تقدم ذلك مرارًا .
وانظر الرسالة رقم ( 60 ) .