تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4351

مساهمون:

ص٤٣٥١
وإن لم يكن في بلد المتخاصمين من هو كذلك وجبت إجابة الداعي إلى حاكم متصف بتلك الصفة ، ولا اعتبار بمن في البلد من القضاة الذين لا يتمكنون من الحكم بما أمر الله بالحكم به ، ومن كان هذا جوابه لم يرد عليه شيء مما أوردتم ، فراجعوا ما أجبت به عليكم ، فهو لديكم حتى تعلموا أن ما أوردتم هاهنا غير وارد عليَّ ، ولا لازم لي ، فهذا دفع إجمالي ، ونقض لما أوردتم في هذا الكلام ، فلنعد الآن إلى الكلام [ 12 أ ] على تفاصيل هذا الكلام . فنقول : قلتم : وحكم الله في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد ، والتعيين تحكم ، وأقول : هو ممنوع ؛ فإن حكم الله - سبحانه وتعالى - في تلك الحادثة وفي غيرها من الحوادث ليس إلا واحدًا يصيبه من أصابه من أهل الاجتهاد ، ويخطئه من أخطأه . ولو كان حكم الله هو مظنون كل مجتهد لكان تابعًا لاجتهادات المجتهدين ، ومرادات المريدين ، وهو يستلزم أنه لا حكم لله في تلك الحادثة أصلا ، بل حكمه فيها متجدد بوجود كل مجتهد على حسب ما يقتضيه اجتهاده ، وهذا باطل وإن قال به بعض متأخري المعتزلة ( 1 ) ، وقلده من قلده ممن جاء بعده ، فمن جاء بالقول الفاسد فهو رد عليه
هامش
( 1 ) قال الماوردي : وهو قول أبي الحسن الأشعري والمعتزلة . قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 851 ) : فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق أجرين ، وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطئ . واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبًا ، وإطلاق اسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر ، فمن قال : إن كل مجتهد مصيب ، وجعل الحق متعددًا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأ بينًا وخالف الصواب مخالفة ظاهرة ، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل المجتهدين قسمين قسمًا مصيبًا وقسمًا مخطئًا ، ولو كان كل واحد منهم مصيبًا لم يكن لهذا التقسيم معنى . وهكذا من قال إن الحق واحد ومخالفه آثم فإن هذا الحديث يرد عليه ردًا بينًا ويدفعه دفعًا ظاهرًا ؛ لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمى من لم يوافق الحق في اجتهاده مخطئًا ورتب على ذلك استحقاقه للأجر . فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن الحق واحد ومخالفه مخطئ مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون به مجتهدًا . انظر " الفقيه والمتفقه " ( 2 / 60 ) ، " مجموع الفتاوى " ( 19 / 124 ) .