تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3086

مساهمون:

ص٣٠٨٦
هو الرد إلى كتاب الله - سبحانه - ، وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، كما نطق بذلك الكتاب العزيز ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) ( 1 ) . ومعنى الرد إلى الله - سبحانه - الرد إلى كتابه ، ومعنى الرد إلى رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الرد إلى سنته بعد موته ، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين . فإذا قال مجتهد من المجتهدين : هذا حلال ، وقال الآخر : هذا حرام ، فليس أحدهما أولى بالحق من الآخر ، وإن كان أكثر منه علما ، أو أكبر منه سنا ، أو أقدم منه عصرا ، لأن كل واحد منهما فرد من أفراد عباد الله ، متعبد بما جاء من الشريعة في كتاب الله ، وسنة رسوله ، ومطلوب منه ما طلبه الله من غيره من العباد . وكثرة علمه ، وبلوغه درجة الاجتهاد ، أو مجاوزته لها لا تسقط عنه شيئا من الشرائع التي شرعها الله لعباده ، ولا يخرجه من جملة المكلفين من العباد ، بل العالم كلما كان تكيلفه زائدا على تكليف غيره ، ولو لم يكن من ذلك إلا ما [ أوجبه ] ( 2 ) الله عليه من البيان للناس ، وما كلفه به من الصدع بالحق ، وإيضاح ما شرعه الله [ 1 ] لعباده ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) ( 3 ) ، ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
هامش
( 1 ) [ النساء : 59 ] ( 2 ) في [ ب ] أوجب . ( 3 ) [ آل عمران : 187 ] . قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 180 - 181 ) : هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب ، الذين أخد عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهبة من أمره ، فإذا أرسله الله تابعوه فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الضعيف والحظ الدنيوي السخيف ، فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم . * وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ، ويسلك بهم مسلكهم ، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ، ولا يكتموا منه شيئا فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار " . أخرجه البخاري رقم ( 6105 و 6652 ) ومسلم رقم ( 110 ) من حديث ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه - . وقال ابن جرير في جامع البيان ( 3 / ج 4 / 203 ) : هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم ، فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم ، وكتمان العلم ، فإن كتمان العلم هلكة ، ولا يتكلفن رجل مالا علم له به ، فيخرج من دين الله ، فيكون من المتكلفين ، كأن يقال مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب ، وكان يقال : طوبي لعالم ناطق ، وطوبي لمستمع واع ، هذا رجل علم علما فعلمه وبذله ودعا إليه ، ورجل سمع خيرا فحفظه ودعاه ، واتنفع به .