باليوم في { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } ( 1 ) ولم يصح التوقيت في { لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى } ( 2 ) ولكان ذكر الأبد في { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } ( 3 ) تكرارا إذ الأصل عدمه ، ودفع بأن التقييد المذكور من أقوى الأدلة على أنها للتأبيد ، فانعكس مطلوبكم وأما ذكره التأبيد في قوله تعالى : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } ( 4 ) فهو تأييد لا تأسيس وإلا لزم أن يكون قيدا فيتوجه النفط إليه على ما هو الأكثر في الاستعمال فيفسد المعني ، ولا يقدح في ذلك مخالفة التأكيد للأصل في العربية .
( والثاني ) أن الرؤية علقت على أمر لا يكون ، ولا يمكن من استقرار الجبل مكانه حين تدكدكه ، أي حصول التدكدك والاستقرار معا ، وإلا لم يبق لما في الآية - من التعليق وذكر التدكدك - وجه . ومعلوم أن ذلك ليس إلا بيان امتناع وقوع المعلق عليه لا بيان لإمكانه ، ولأن المراد الاستقرار بدل التدكدك في زمانه ، وعلى فرض التسليم فلا نسلم المقدمة المقابلة أن ما علق على الممكن ممكن أو لا نسلم كليتها ، والسند ما سلف . وقد سبقت الإشارة إلى مثل هذا الكلام في جواب المانع على المجوز [ 33 ] عند استدلاله هذه الآية على مذهبه وسبق دفع ذلك ( 5 ) ودفع الدفع فراجعه .
هامش
( 1 ) مريم : 26
( 2 ) طه : 91
( 3 ) البقرة : 95
( 4 ) البقرة : 95
( 5 ) قال صاحب العقيدة الطحاوية ( ص : 206 - 208 ) تعليقا على الآية { لن تراني } الأعراف : 143 في الاستدلال منها على ثبوت رؤيته سبحانه تعالى من وجوه
1 / أنه لا يظن بكليم الله ورسوله وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل مالا يجوز عليه ، بل هو عندهم من أعظم المحال .
2 / أن الله لم ينكر عليه سؤاله ، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله وقال سبحانه : { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } هود : 146
3 / أنه تعالى قال : { لن تراني } ولم يقل : إني لا أرى ، أو لا تجوز رؤيتي أو لست . مرئي والفرق بين الجوابين ظاهر .
وهذا يدل على أن الله سبحانه مرئي ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى
البشر فيها عن رؤيته سبحانه وتعالى .
4 / ويوضح ما تقدم قوله تعالى : { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } الأعراف : 143 .
فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلط في هذه الدار ، فكيف بالبشر الذي خلق من أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا ، وذلك ممكن ، وقد علق به الرؤية ، ولو كان محالا لكان نظير أن يقول : إن استقر الجبل فسوف احمل وأشرب وأنام . والكل عندهم سواء .
6 / وقوله تعالى : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } الأعراف : 143 .
فإذا جاز أن يتجلى للجبل ، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب ، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته ؟ ولكن الله أعلم موسى أن الجبل إذا لم بثبت لرؤيته في هذه الدار ، فالبشر أضعف .
7 / أن الله كلم موسى ناداه وناجاه ، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغر واسطة - فرؤيته أولى بالجواز ، ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه وقد جمعوا - المعتزلة - بينهما ، وانظر : تلبيس الجهمية لابن تيمية ( 358 / 359 ) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ( ص : 68 ) .