تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2097

مساهمون:

ص٢٠٩٧
إذا ابتلي بشيء منها ، وألجئ إلى الفتيا فيها ، أو الحكم بشيء ولم يجد بدا من ذلك ، وأقل الأحوال إذا لم يمكنه الصدع بالحق والقضاء بأمر الشرع أن يتخلص عن ذلك بالإحالة على غيره ، فإن لم يتمكن من ذلك كأن يفوت بترك الخوض في مثل هذه الأمور مصالح دينية ، أو ينشأ عن هذا الترك مفاسد في أمور أخرى فعليه أن يحكي ما جرت به الأعراف ، واستمرت عليه العادات ، ويحيل الأمر على ذلك ، ولا يحيله على الشرع المطهر فيكون قد أعظم الفرية على الدين الحنيف ، وخلط أحكام العادة بأحكام الوضع والتكليف ، وإذا كان قد تقدمه من يجوز تقرير ما فعله من الأئمة والحكام الأعلام فليقل في مثل هذه الأمور التي لا تجري على مناهج الشرع ، قال [ 28 ] بهذا فلان ، وفعله فلان ، وحكم به فلان ، وأفتى به فلان . وينبه على أن مسلك الشرع معروف ، ومنار الدين مكشوف ، ومنهج الحق مألوف مثلا إذا اضطر إلى فصل بعض الخصومات المتعلقة بالحدود التي بين أهل البوادي ، ووجد بأيديهم ما يفيد بأن الواضع لذلك بينهم أحد المرجوع إليهم في العلم والدين ، وأنه لا سبيل إلى الحكم بالشركة ( 1 ) الذي هو المنهج
هامش
( 1 ) أخرج أبو داود رقم ( 3477 ) وأحمد ( 5 / 364 ) والبيهقي ( 6 / 150 ) عن أبي خداش ، عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : غزوت مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثا ، أسمعه يقول : " المسلمون شركاء في ثلاث : في الكلأ ، والماء ، والنار " . وهو حديث صحيح . فوائد لا بد من الوقوف عليها في هذا الحديث : 1 - سلامة الدين باتقاء الشبهات : " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " : فمن ترك ما يشتبه عليه سلم دينه مما يفسده ، أو ينقصه ، وعرضه مما يشينه ، ويعيبه فيسلم من عقاب الله وذمه ، ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه . 2 - من وقع في الشبهات وقع في الحرام ، وذلك بوجهين : أ - أن من لم يتق الله تعالى ، وتجرأ على الشبهات ، أفضت به إلى المحرمات بطريق اعتياد الجرأة ، والتساهل في أمرها ، فيحمله ذلك على الجرأة على الحرام المحض ولهذا قال بعض المتقين : الصغيرة تجر إلى الكبيرة ، والكبيرة تجر إلى . . . قال تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) [ المطففين : 14 ] . ب - أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه ، لفقدان نور العلم ونور الورع ، فيقع في الحرام ولا يشعر به ، وإلى هذا النور الإشارة إلى قوله تعالى : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) [ الزمر : 22 ] . وإلى ذلك الإظلام والإشارة بقوله : ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) [ الزمر : 22 ] . 3 - قوله : " كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه " هذا مثل ضربه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمحارم الله تعالى ، وأصله : أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها ، وتحرج بالتوعد بالعقوبة على من قربها ، فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته من ذلك الحمى ، لأنه إن قرب فالغالب الوقوع وإن كثر الحذر ، إذ قد تنفرد الفاذة ، وتشذ الشاذة ولا تنضبط ، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها من وقوع الشاذة والفاذة ، وهكذا محارم الله تعالى ، لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها . 4 - قوله : " ألا وهي القلب " هذا اللفظ في الأصل مصدر : قلبت الشيء أقلبه قلبا : إذا رددته على بدأته . وقلبت الإناء : إذا رددته على وجهه ، وقلبت الرجل عن رأيه ، إذا صرفته عنه ، وعن طريقه كذلك . ثم نقل هذا اللفظ ، فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان ، لسرعة الخواطر فيه ، ولترددها عليه ، وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال : ما سمي القلب إلا من تقلبه . . . فاحذر على القلب من قلب وتحويل ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو التزمت فيه تضخيم قافه ، تفريقا بينه وبين أصله ، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه ، إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم . وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم . 5 - واعلم أن هذا القلب لم يشرف من حيث صورته الشكلية ، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيمية ، بل من حيث هو مقر لتلك الخاصية الإلهية ، علمت أنه أشرف الأعضاء ، وأعز الأجزاء ، إذ ليس ذلك المعنى الموجود في شيء منها ، ثم إن الجوارح مسخرة له ، ومطيعة فما استقر فيه ظهر عليها ، وعملت على مقتضاه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وعند هذا انكشف لك معنى قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله " ولما ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصح بها القلب ، ليتصف بها ، وبالأمور التي تفسد القلب ليتجنبها ومجموع ذلك علوم وأعمال وأحوال . العلوم وهي ثلاثة : 1 - العلم بالله تعالى ، وصفاته ، وأسمائه ، وتصديق رسله فيما جاءوا به . 2 - العلم بأحكامه عليهم ومراده منها . 3 - العلم بمساعي القلوب من خواطرها ، وهمومها ، ومحمود أوصافها ، ومذمومها . الأعمال : - وأما أعمال القلوب ، فالتحلي بالمحمود من الأوصاف . - والتخلي عن المذموم منها . - منازلة المقامات والترقي عن مفضول المنازلات إلى سني الحالات . الأحوال : - مراقبة الله تعالى في السر والعلن . - التمكن من الاستقامة على السنن . انظر : " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " للقرطبي ( 4 / 490 - 497 ) ، و " إكمال المعلم بفوائد مسلم " ( 5 / 284 - 286 ) .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2097 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق