تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2060

مساهمون:

ص٢٠٦٠
لفقدان نور الورع ، فيقع في الحرام ، ولو لم يختر الوقوع فيه ، ولهذا قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم " إلى آخر الحديث . انتهى ما ذكره الحافظ في الفتح ( 1 ) . ولا يخفى عليك أن تفسير المشتبهات بكل واحد من التفسيرين الأولين صحيح ، لأنه يصدق على كل واحد [ 6 ] منهما أنه مشتبه ، وبيانه : أن ما تعارضت فيه الأدلة ، ولم يتميز للناظر فيها الراجح من المرجوح ، لا يصح أن يقال هو من الحلال البين ، ولا من الحرام البين ، لأن الأمر الذي تعارضت أدلته ، وخفي راجحه من مرجوحه لم يتبين أمره بلا ريب ؛ إذ المتبين هو ما لم يبق فيه إشكال ، وما تعارضت أدلته فيه أعظم الإشكال ، وهكذا ما اختلف فيه العلماء ، لكن بالنسبة إلى المقلد ، لأنه لا يعرف الحق والباطل ، ويميز بينهما إلا بواسطة أقوال أهل العلم الذين يأخذ عنهم ويقلدهم ، وليست له من الملكة العلمية ما يقتدر به على الوصول إلى دلائل المسائل ، ومعرفة العالي منها والسافل . فإذا اختلف عالمان في شيء ، فقال أحدهما : إنه حلال . وقال الآخر : إنه حرام ، وكان كل واحد منهما بمحل من العلم يساوي الآخر في اعتقاد المقلد ، فلا شك ولا ريب أن هذا الشيء الذي اختلف فيه هذان العالمان ، فقال أحدهما : حلال ، وقال الآخر : حرام ؛ لا يصح أن يقال هو من الحلال البين ، ولا من الحرام البين بالنسبة إلى ذلك المقلد . وكل شيء لا يصح أن يكون أحد هذين الأمرين لا ريب أنه من المشتبهات . فإن قلت : فماذا يصنع هذا المقلد عند هذا الاختلاف ؟ إن قلت يتورع ويقف عند هذه الشبهة استلزم ذلك أن يترك أكثر الأحكام الشرعية ، بل جميعها إلا القليل النادر ؛ إذ أكثر المسائل الشرعية قد وقع الاختلاف فيها بين أهل العلم ، فهذا يثبت هذا الحكم ، وهذا ينفيه ، وهذا يحلله ، وهذا يحرمه ؟ . قلت : ليس المراد بالوقوف عند الشبهات أن يترك القولين جميعا ، بل المراد الأخذ بما
هامش
( 1 ) ( 1 / 128 ) .