وقوله : " ادرءوا الحدود بالشبهات " ( 1 ) فإذا كانت الحدود بعد ثبوتها ثبوتا لا يرتاب فيه تدرأ بالشبهات ، فكيف يجوز الحكم بها بمجرد الشبهة الواهية ! .
وقد أجاب بعض المتأخرين ، وهو السيد العلامة أحمد بن محمد بن إسحاق بن المهدي عن ذلك بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نزل سكوت الرجل الذي ادعت المرأة وقوعه عليها منزلة الإقرار ، ويجاب عنه بأن الرجل مصرح في مقام الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بالإنكار ، ومدع للإغاثة ، كما وقع في حديث النسائي الذي تقدم ذكره .
وأما إشكال إسقاطه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - للحد عن الرجل الذي اعترف بالزنا ، وجواب ابن القيم عنه بما سلف .
فنقول : إذا كانت رواية النسائي كما ساقها في كلامه من أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أبى أن يقيم على الرجل الحد ، فلا شك أنه مشكل وإن لم يقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بعد قول عمر إلا قوله : " لقد تاب توبة " . . إلخ ، فليس فيه دلالة على أنه أسقط الحد ، ولا يلزم من هذه العبارة عدم إقامة الحد ، فإنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قد قال مثلها لماعز ( 2 ) ، وفي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في " السنن " رقم ( 2545 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " . وهو حديث ضعيف .
وأخرجه الترمذي رقم ( 1424 ) والحاكم ( 4 / 384 - 385 ) والدارقطني ( 3 / 84 رقم 8 ) والبيهقي ( 8 / 238 ) . من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم " . وهو حديث ضعيف .
وأخرجه البيهقي في " السنن " رقم ( 8 / 238 ) عن علي رضي الله عنه ولفظه : " ادرءوا الحدود بالشبهات " . وهو حديث ضعيف .
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 22 / 1695 ) .