تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1928

مساهمون:

ص١٩٢٨
وقوله : لا نعلم لهم مخالفًا في الصحابة إخبار عن علمه ، وإلا فقد حكى الخطابي في معالم ( 1 ) السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة . وحكي أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة . وقد ذهب إلى تحريم الصلاة على القبر من أهل البيت - عليهم السلام - المنصور بالله ، والهادوية ( 2 ) . وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها ، وإن وقعت بينها فمكروهة فقط . وذهب الشافعي ( 3 ) إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال : إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم ، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة ( 4 ) ؛
هامش
( 1 ) ( 1 / 330 ) . ( 2 ) في " البحر الزخار " ( 1 / 216 - 217 ) . ( 3 ) في " الأم " ( 2 / 95 - 96 ) . ( 4 ) قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 274 ) : أن النهي عن الصلاة في المقبرة لأجل النجاسة قول باطل من عدة أوجه : 1 - أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقول المعللون بالنجاسة . 2 - أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة . فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء ؛ ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع ، وليس للنجاسة عليها طريق البتة ، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم ، فهم في قبورهم طريون . 3 - أنه نهى عن الصلاة إليها . 4 - أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد ، إلا المقبرة والحمام ، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور . 5 - أن موضع مسجده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان مقبرة للمشركين ، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدًا ، ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك - أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 428 ) ومسلم رقم ( 524 ) - . 6 - أنه لعن المتخذين عليها المساجد ، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المساجد مع تطينها بطين طاهر . فتزول اللعنة وهو باطل قطعًا . 7 - أنه قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها فهما في اللعنة قرينان ، وفي ارتكاب الكبيرة صنوان . فإن كل ما لعن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو من الكبائر ، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها ، وجعلها نصبًا يوفض إليه المشركون ، كما هو الواقع ، فهكذا اتخاذ المساجد عليه . ولهذا قرن بينهما ، فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها ، وتعريض للفتنة بها . ثم قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 275 ) : فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه ، وفهم عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه : صيغة " لا تفعلوا " وصيغة " إني أنهاكم " ليس لأجل النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه ، وارتكب ما عنه نهاه ، واتبع هواه ، ولم يخش ربه ومولاه " . وقال الأشرم : إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب ؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . " إغاثة اللهفان " ( 1 / 276 ) .