يقعد عليه ، وأن يبنى عليه " . رواه أحمد ( 1 ) ، ومسلم ( 2 ) ، والنسائي ( 3 ) ، وأبو داود ( 4 ) ، والترمذي ( 5 ) ، وصححه ( 6 ) ولفظه : " نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أن تجصص القبور ، وأن يكتب عليها ، وأن يبنى عليها وأن توطأ " . وفي لفظ النسائي ( 7 ) نهى أن يبنى أو يزاد عليه ، أو يجصص ، أو يكتب عليه " .
وكل هذا إنما هو لسد ذرائع ( 8 ) ما نشأ عن ذلك من المفاسد التي يبكي لها الإسلام .
من ذلك ما يسمع به كل أحد من جماعة كثيرة من سكان تهامة ، فإنه لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله [ 4 ] بالأصنام إلا فعلوه ، بل زادوا على ذلك ؛ فإن الجاهلية قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، وهؤلاء القبوريون ( 9 ) قالوا : نعبدهم ليضروا وينفعوا ،
هامش
( 1 ) في " المسند " ( 3 / 399 ) .
( 2 ) في صحيحه رقم ( 970 ) .
( 3 ) في " السنن " ( 4 / 86 رقم 2027 ) .
( 4 ) في " السنن " رقم ( 3225 ) .
( 5 ) في " السنن " رقم ( 1052 ) .
( 6 ) في " السنن " ( 3 / 368 ) . وهو حديث صحيح .
( 7 ) في " السنن " ( 4 / 86 رقم 2026 ) .
( 8 ) الذرائع جمع ذريعة وهي - أي الذريعة ( ما ) أي شيء من الأفعال أو الأقوال ( ظاهره مباح ، ويتوصل به إلى محرم ) . ومعنى سدها : المنع من فعلها لكي لا تؤدي إلى حرام .
انظر : " الكوكب المنير " ( 4 / 234 ) " الموافقات " ( 2 / 285 ) .
( 9 ) قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 284 ) : " . . . لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام ، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم ، فسهلت عليهم ، إذ لم يدخلوها بها تحت أمر غيرهم " .
قال : وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع : من إيقاد النيران ، وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها : يا مولاي افعل بي كذا وكذا . وأخذ تربتها تبركًا وإفاضة الطيب على القبور ، وشد الرحال إليها . وإلقاء الخرق على الشجر . ومن جمع بين سنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا .
فنهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها ونهى عن اتخاذها مساجد ، وهؤلاء يبنون عليها ، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى .
ونهى عن إيقاد السرج عليها ، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها .
ونهى أن تتخذ عيدًا ، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر .
وأمر بتسويتها ، وهؤلاء يبالغون في مخالفة أمره ويرفعونها عن الأرض كالبيت ، ويعقدون عليها القباب .
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه ونهى عن الكتابة عليها ، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره ونهى أن يزاد عليها غير ترابها وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص .