تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1861

مساهمون:

ص١٨٦١
فانظر كيف كان الأمر المهم عند بعث هذا الصحابي للقضاء ؟ هو السؤال له للإرشاد لا للاسترشاد عن مستند ما يحكم به لا عن غيره ، وهكذا كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يأمر من يبعثه من القضاة والولاة ، وكذلك كان يرشد إلى ذلك معظم الخلفاء الراشدون ( 1 ) من يبعثونه ، ثم انظر قول هذا الصحابي العظيم : أجتهد رأيي ، فإن المراد بلا
هامش
( 1 ) ومن أحسن ما يعرفه القضاة كتاب عمر رضي الله عنه الذي كتبه إلى أبي موسى الذي رواه الدارقطني ( 4 / 206 ، 207 رقم 15 ) ، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد ، وهو ضعيف . والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 10 / 115 ) ، وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين " ( 1 / 86 ) بعد أن أورده : وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول ، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة ، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه ، ولفظه : أما بعد ، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، فعليك بالفعل والفهم وكثرة الذكر ، فافهم إذا أدلى إليك الرجل الحجة ، فاقض إذا فهمت ، وامض إذا قضيت ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ، آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك ؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك ، البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حراما أو حرم حلالا ، ومن ادعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمرًا ينتهي إليه ، فإن جاء ببينته أعطيته حقه ، وإلا استحللت عليه القضية ، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى . ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم اعرف الأشباه والأمثال ، وقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق . المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد ، أو مجربًا عليه شهادة زور ، أو ظنينًا في ولاء أو نسب أو قرابة ، فإن الله تعالى تولى منكم السرائر ، وادرأ بالبينات والأيمان ، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة ، والتفكر عند الخصومات ، فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب الله تعالى به الأجر ويحسن به الذكر ، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس ، ومن تخلق للناس بما ليس في قلبه شانه الله تعالى ، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا ، فما ظنك بثواب من الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته ، والسلام " اه - .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1861 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق