تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1754

مساهمون:

ص١٧٥٤
" كتبت له حسنة " ( 1 ) فإن هذا الحديث يدل على أكمل دلالة ، وينادي بأعلى صوت أن الهم مغفور بجميع أقسامه . ما لم يعمل به ولا أصرح ، وأوضح من قوله : " ما لم يعملها " ، فإن عملها كتبت عليه سيئة " ( 2 ) . فإن التقييدين " ما لم يعملها " ثم المجيء بالشرطية ، وجعل الكتب لها عليه جزاء لعملها في غاية الوضوح . فهل أوضح من هذا وأنطق من دلالته ؟ ! فكيف يقال : إن هذا محمول على ما لم يستقر ( 3 ) دون ما استقر من حديث النفس ؟ وما الذي يفيد أن هذا الاستقرار قد خرج من الخواطر القلبية والأحاديث النفسية إلى حيز الأفعال الجوارحية ؟ وما الموجب لهذا التأويل المتعسف والتخصيص المتعنت ؟ وما المقتضي لتخصيص هذا الكلام النبوي ، والعبارة المحمدية ؟ ! فإن هذا من التقول على الله بما لم يقل ، ومن إثبات الإثم على العباد ،
هامش
( 1 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 11 / 326 ) : يحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر ، والكف عن الشر خير ، ويحتمل أن يكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة . فإن تركها من مخافة الله سبحانه كتبت حسنة مضاعفة . وقال الخطابي : محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه ، لأن الإنسان لا يسمى تاركاً إلا مع القدرة ، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلاً فيجد الباب مغلقاً ويتعسر فتحه . ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعارض ظاهر حديث الباب - من هم . . . " . وهو ما أخرجه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه بلفظ : " إنما الدنيا لأربعة " فذكر الحديث وفيه : " وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علماً فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يرى لله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل . ورجل لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان ، فهما في الوزر سواء " . فقيل الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين ، فتحمل الحالة الأولى على من هم بالمعصية هماً مجرداً من غير تصميم ، والحالة الثانية على من صمم على ذلك وأصر عليه . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) تقدم في بداية الرسالة وانظر " الفتح " ( 11 / 327 - 328 ) .