تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
ورد إليها شِحْنة واستخرج على الرّأس دينارًا ، هذا سوى من دخل إليها عند هجوم العساكر من الفلاحين ، وأما قلعتها فلجؤوا إليها وتحاشروا بها ، فكانوا ثمانية آلاف رجل ، غير الحريم والأولاد ، فمات بها عالمٌ كثير في زحمة الباب ، وأمّا الوزير والوالي وغيرهما فلمّا شاهدوا الحال هربوا في اللّيل في الجبال رَجّالةً ، فأصبح النّاس فطلبوا الأمان من القتل وأن يؤسروا ، ثمّ خرجوا في أحسن زيِّ وزينةٍ كأنّهم الزَّهْر ، وصاحوا بين يدي السّلطان وسجدوا ، وقالوا بصوت واحد : العفْو ، ارحمْنا يرحَمَك الله ، فرقَّ قلبُه ورحمهم ، ورفع عنهم القتل . قلت : هذه مجازفة متناقضة . وكان بها طائفة من الأسرى فخلّصهم الله ، وكانت أنطاكية للبَرّنس صاحب طرابُلُس ، وهي مدينةٌ عظيمة ، مسافةُ سُورها اثنا عشر ميلًا ، وعددُ أبراجها مائةٌ وستةٌ وثلاثون بِرجًا ، وشُرُفاتها أربعٌ وعشرون ألفًا وفي داخلها جبلٌ وأشجار ووحوش ، وماء يجري ، وفواكه مختلفة ، وكان لها في يد النّصارى أكثر من مائةٍ وسبعين سنة أو نحوها . ثمّ إنّه تسلَّم بغراس بالأمان ، وكان قد هرب أكثر أهلها وتسلَّم دركوش ، وصالح أهلَ القُصَير على مناصفته ومناصفة القلاع المجاورة له ، ودخل دمشق في السّابع والعشرين من رمضان ، وكان يوماً مشهوداً . وفيها كانت الصَّعْقة الكبرى الكائنة على غوطة دمشق في ثالث نيسان أحرقت الشّجر والثّمر والزَّرْع والكَرْم ، وهلك للنّاس ما لا يُوصف ، وكان السّلطان قد احتاط على الغوطة وأراد أن يتملكها ، وتعثرّ النّاس بالظُّلم والمصادرة وضجُّوا واستغاثوا بالله ، فلمّا شدّدوا على المسلمين وألزموهم بوزن ضمانِ بساتينهم حتّى تطرّقوا إلى الأوقاف ، أحرق الله الجميع ، وجاء الفلاحون والضمان بالثمر والورق والكَرم ، وهو أسودٌ محروق ، ورفعوا الأمر إلى نوّاب السّلطنة ، فلم يلتفتوا عليهم وأهانوهم ، وأُلزموا بضمان أملاكهم ، والله المستعان . قال قُطْب الدّين : احتاط السّلطان على البساتين وعلى القُرى ، وهو