تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 906

مساهمون:

ص٩٠٦
عنهم ، في كل ليلة جمعة يجعل لكل إنسانٍ منهم وظيفة من الجمعة إلى الجمعة ، وكان يحثهم عَلَى الاكتساب وأكْل الحلال ، ويقول : أصل العبادة أكل الحلال ، والعمل لله فِي سنته ، وكان شديد الإنكار عَلَى أهل البِدَع ، لَا تأخذه فِي الله لومة لائم ، رجع بِهِ خلقٌ كثير فِي بلدنا من الرافضة وصحِبُوه . وأخبرني الشَّيْخ إبراهيم بْن أبي طَالِب قَالَ : أتيت الشَّيْخ وهو يعمل فِي النَّهر الَّذِي استخرجه لأهل بالِس ، ووجدت عنده خلقًا كثيرًا يعملون معه ، فقال : يا إبراهيم ، أنت لَا تُطيق العمل معنا ، ولا أحب أن تقعد بلا عمل ، فاذهب إلى الزاوية ، وصل ما قدر لك ، فهو خيرٌ من قعودك عندنا بلا عمل ، فإني لَا أحب أن أرى الفقير بطالًا . وكان يحث أصحابه عَلَى التمسك بالسنة ويقول : ما أفلح من أفلح إلّا بالمتابعة ، فإن الله يَقُولُ : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُمُ اللهُ } ، وقال : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول ُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } . وكان لَا يمر عَلَى أحدٍ إلّا بادأة بالسلام حتى عَلَى الصبيان وهم يلعبون ، ويداعبهم ، ويتنازل إليهم ويحدّثهم ، وكنت أكون فيهم ، ولقد جاءته امرَأَة يومًا فقالت : عندي دابةٌ قد ماتت ، وَمَا لي من يجرها عني ، فقال : امض وحصِّلي حبلًا حتى أبعث من يجرها ، فمضَتَ وفَعَلتْ ، فجاء بنفسه وربط الحبل فِي الدابة ، وجرها إلى باب البلد ، فجروها عَنْهُ . وكان متواضعًا لَا يركب فَرَسًا ولا بغلة ، بل لمّا كبُر كَانَ يركب حمارًا ويمنع من أن يوطأ عَقِبه ، وكان دابه جبْرَ قلوبِ الضعَفاء من النّاس ، وكان فِي الزاوية شيخ كبير بِهِ قطار البَوْل ، فكان يبدد الصاغرة من تحته . وكان لَا يمكن أحدًا من تقبيل يده ، ويقول : مَن مكن أحدًا من تقبيل يده نقص من حاله شيء ، وكان لَا يقبل إلّا ممن يعرف أَنَّهُ طيب الكسب . وحدثني الإمام شمس الدين الدباهي قَالَ : حدَّثني الشيخ عبد الله كتيلة ، قَالَ : قدِمتُ عَلَى الشَّيْخ أبي بَكْر بمنزله ببالِس ، فلمّا رَأَيْته هِبْتُه ، وعلمت أَنَّهُ وُلّي لله ، ورأيته يحضر السَّماع بالدف ، وكنت أنكِره ، غير أني كُنت أحضر السَّماع بغير الدف ، وقلت فِي نفسي : إن حضرت مَعَ هذا الولي وحصل مني إنكار عَلَيْهِ حصل لي أذى ، وخشيت من قلبه ، فغبت ولم أحضر .