الإشاراتِ ، وتحَقَّقَ بمجالِ تِلْكَ العبارات ، وتكون فِي تِلْكَ الأطوار حتّى قضي ما شاءَ من لباناتٍ وأوطارٍ ، فضَربتْ عَلَيْهِ العلميةُ رَواقها ، وطَبَّقَ ذكرُه الدُّنيا وآفاقها ، فجالَ بمجالها ، ولَقِيَ رجالَها . وكان جميلَ الْجُملةِ والتفصيلِ ، مُحَصَّلًا للفنونِ أحصنَ تحصيلٍ ، وله فِي الأدب الشَّأو الّذِي لا يُلْحَقُ . سَمِعَ ابن الجدَّ ، وابنَ زَرْقُون ، ونَجَبةَ بن يحيى . وذكر أَنَّهُ لَقِيَ ببِجايةَ عَبْد الحق - وفي ذَلِكَ نظرٌ - وأنَّ السِّلَفِيّ أجاز لَهُ - وأحسبها العامة - وذكر أَنَّهُ سَمِعَ من أَبِي الخير أَحْمَد بن إِسْمَاعِيل الطالقانيّ .
قلتُ : هذا إفكٌ بينٌ ، ما لَحِقَهُ أبدًا .
قَالَ ابن مسدى : وله تواليف تَشْهَدُ لَهُ بالتقدُّم والإقدام ومواقفِ النهايات فِي مزالق الأقدام . وكانَ مُقتدرًا عَلَى الكلام ، ولعلَّة ما سَلِمَ من الكلام ، وعندي من أخباره عجائبُ . وكان ظاهريَّ المذهبِ فِي العبادات ، باطنيَّ النظرِ فِي الاعتقادات ، ولهذا ما ارتبتُ فِي أمرِه والله أعلم بسِّره .
ذكرَه أَبُو عَبْد اللَّه الدُّبيْثيُّ ، فقال : أخذَ عن مشيخة بلده ، ومال إلى الآداب ، وكتبَ لبعض الوُلاةِ ، ثمّ حَجَّ ولم يَرْجعْ ، وسَمِعَ بتلك الديار . ورَوَى عن السِّلَفِيّ بالإجازَة العامة . وبَرَعَ فِي علم التصوف وله فِيهِ مصنفات كثيرة . ولقيَه جماعةٌ من العلماء والمتعبدّين وأخذوا عَنْهُ .
وقالَ ابنُ نُقْطَة : سَكَنَ قونِيةَ ومَلَطْيَةَ مدّةً . وله كلامٌ وشعرٌ غيرَ أَنَّهُ لا يُعْجبُني شِعره .
قلت : كأنَّه يُشير إلى ما فِي شِعره من الاتحادِ وذِكْر الخَمْر والكنائسِ والملاح ، كما أنشدنا أَبُو المعالي مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَن ابن العربي لنفسه :
بذي سَلَم والدَّيْرُ من حاضرِ الحِمى . . . ظباءٌ تُرِيكُ الشَّمْسَ فِي صورةِ الدُّمي
فأرقُبُ أفْلاكًا وأخدُمُ بِيعةً . . . وأحْرُسُ روضًا بالربيع مُنَمنما
فوَقْتًا أُسمَّى راعيَ الظَّبْي بالفَلا . . . ووَقتًا أُسمَّى رَاهبًا ومُنَجِّما
تَثَلَّثَ مَحْبُوبي وَقَدْ كَانَ واحدًا . . . كما صَيَّروا الأقنامَ بالذاتِ أقْنما
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 274
مساهمون: الذهبي
ص٢٧٤