تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الدّخول إِلَيْهِ ، ثمّ أُطْلِقَ بعد انسلاخ شوَّال . نعم . وذكره ابنُ النّجّار ، فقال : قَرَأ الخلافَ عَلَى أَبِي مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِيّ النُّوقانيّ الشّافعيّ . ودَرَّس بمدرسة جدِّه . وبُنيِتْ لَهُ دكةٌ بجامع القَصْرِ للمناظرةِ ، وجلسَ للوَعْظِ . وكان لَهُ قبولٌ تامّ ، ويحضرُه خلقٌ كثير . وأُذِنَ لَهُ فِي الدخول عَلَى الأمير أَبِي نصر مُحَمَّد ابن الْإمَام الناصر فِي كلّ جُمُعة لسماع " مُسنِد الْإمَام أَحْمَد " منه بإجازتِه من أَبِيهِ الناصرِ ، فحَصلَ لَهُ بِهِ أنسٌ . فلما استخلف ، قَلَّده القضاءَ فِي ذي القَعْدَةِ سنة اثنتين وعشرين ، فسارَ السِّيرةَ الحَسَنَةَ ، وسلَكَ الطريقةَ المستقيمة ، وأقامَ ناموسَ الشَّرع ، ولم يُحاب أحدًا فِي دين اللَّه . وكانَ لَا يمُكِّنُ أحدًا من الصِّياح بين يدَيْه . ويمضي إلى الْجُمُعة ماشيًا . ويكتبُ الشُّهود من دواتِه فِي مجلسِه . فلمَّا أفْضَتِ الخلافةُ إلى المستنصرِ أقرَّه أشهرًا ، ثمّ عَزَلَه . رَوَى الكثير . وكان ثقةً مُتحرِّيًا ، لَهُ فِي المذهب اليدُ الطُّولي . وكان لطيفًا ، مُتواضعًا ، مَزَّاحًا ، كَيِّسًا . وكان مِقْدامًا رجلًا من الرِّجال ، سمعته يَقُولُ : كنتُ فِي دارِ الوزير القُمِّي وهناك جماعةٌ ، إذْ دخلَ رجلٌ ذو هيئةٍ ، فقاموا لَهُ وخَدَموه ، فقمتُ ، وظننته بعضَ الفقهاء ، فقيل : هذا ابنُ كرم اليهوديُّ عاملُ دارِ الضرب ، فقلتُ لَهُ : تعالَ إلى هنا ، فجاءَ ووقفَ بين يدي ، فقلت له : ويلك ، توهمتك فقيهًا ، فقمتُ إكرامًا لذلك ، ولستَ - ويلك - عندي بهذه الصفةِ ، ثمّ كررتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وهو قائم يَقُولُ : اللَّه يحفظُك ، اللَّه يُبقيكَ ، ثمّ قلتُ : اخسَأْ هناك بعيدًا عنَّا . فذَهَب . قَالَ : وحدثني أنه رُسمَ لَهُ برزقٍ من الخليفةِ ، وأنه زارَ - يومئذٍ - قبرَ الْإمَام أَحْمَد ، فقيلَ لي : دُفِعَ رَسْمُك إلى ابن توما النَّصْرانيّ ، فامضِ إِلَيْهِ فخُذه ، فقلت : والله لَا أمضي ولا أطلبُه ، فبَقيَ ذَلِكَ الذهب عنده إلى أن قُتِلَ - لعنه اللَّه - فِي السنة الأُخرى ، وأُخِذَ الذّهُب من داره فنُفِّذَ إلى . تُوُفّي فِي سادس عشر شوَّال ، ودُفِنَ فِي الدِّكةِ التي لقبر الأمام أَحْمَد بْن حنبل . وقيلَ : بل دُفِنَ معه فِي قبره ، تولَّى ذَلِكَ الرَّعاعُ والعوامُّ ، فقُبضَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وعُوقِبَ وحُبِسَ . ثمّ نُبِشَ أَبُو صالح ليلًا بعد أيّام ، ولم يُعلَم أينَ دُفِنَ ؟ - رحمه الله - .