تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 708

مساهمون:

ص٧٠٨
لا نستحلّ أنّ نأخُذَ منك ورقًا . وكان لَهُ في كُلِّ بلدٍ من بلاد السُّلطان ضيعة أو أكثر في مصر والشّام إلى خِلاط ، وبلغ مجموعُ ذلك مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار يعني مُغلَّة . وكان يُكثر الإِدلال على العادل ، ويُسخِطُ أولادَه وخواصَّه ، والعادلُ يترضّاه بكُلِّ ما يقِدر عليه ، وتكرَّر ذلك منه ، إلى أن غضب منه على حَرَّان ، فلمّا صار إلى مصر وغاضبه على عادته ، فأقرّه العادلُ على الغضب ، وأعرضَ عنه . ثمّ ظهر منه فسادٌ ، وكثرةُ كلام ، فأمر بنفْيه عن مصر والشام ، فسكن آمد ، وأحسن إليه صاحبُها ، فلمّا مات العادلُ عاد إلى مصر ، وَوَزَرَ للكامل ، وأخذ في المصادرات ، وكان قد عَمِيَ ، ورأيتُ منه جَلَدًا عظيمًا أنَّه كَانَ لا يستكين للنوائب ، ولا يخضع للنكبات ، فمات أخوه ولم يتغيَّر ، ومات أولادُه وهُوَ على ذلك . وكان يُحمُّ حُمَّى قوية ، ويأخذه النافِضُ ، وهو في مجلس السلطان ينفّذ الأشغال ، ولا يُلقي جنبه إلى الأرض ، وكان يقول : ما في قلبي حسرةٌ إلاّ أنّ ابن البيسانيّ ما تمرَّغ على عتباتي - يعني القاضيَ الفاضلَ - وكان يَشْتِمُه وابنُه حاضر فلا يظهر منه تغيرٌ ، وداراه أحسن مداراة ، وبذل له أمولاً جمَّةً في السِّرِّ . وعرض لَهُ إسهالٌ دمويٌ وزَحير ، وأنهكه حَتّى انقطعَ ، ويَئِسَ منه الأطباءُ ، فاستدعى من حَبْسِه عشرةٌ من شيوخ الكُتَّاب ، فقال : أنتم تَشْمَتُون بي ، وركَّب عليهم المعاصير وهُوَ يَزْحَرُ وهُمْ يَصيحون إلى أن أصبح وقد خفَّ ما به ، ورَكِبَ في ثالث يوم ، وكان يقف الرؤساء والنّاسُ على بابه مِن نصف الّليل ، ومعهم المشاعلُ والشمع ، ويركبُ عند الصّباح ، فلا يراهم ولا يَرَوْنَه ، لأنّه إما أن يرفعَ رأسَه إلى السماء تيهًا ، وإمّا أن يُعْرجَ على طريقٍ أخرى ، والجنادرة تَطْرُدُ النّاسَ . وكان لَهُ بوابٌ اسمه سالم يأخُذُ مِن النّاس أموالًا عظيمة ، ويُهينهم إهانةً مفرطة ، واقتنى عقارًا وقرى .