تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 688

مساهمون:

ص٦٨٨
لم يجد موضعًا يحويه ، ولا صديقًا يُؤويه ، فشرَّق وغرَّب ، وأنجد وأسهل ، وأصحرَ وأجبل ، والرُّعْبُ قد ملك لُبّه ، فعند ذلك قضى نحبه . قال : وكان الشيخ شهاب الدِّين لَمّا جاء في الرسالة خاطبه بِكُلِّ قولٍ ولاطفهُ ، ولا يزدادُ إلّا طغيانًا وعُتوًّا ، ولم يزل الإمامُ النّاصر مُدَّة حياته في عزٍّ وجلالةٍ ، وقمْع للأعداء ، واستظهارٍ على الملوك ، لم يجد ضَيْمًا ، ولا خرج عليه خارجيّ إلّا قمعه ، ولا مخالفٌ إلّا دَمَغه ، وكلّ مَنْ أَضْمر لَهُ سوءًا رماه الله بالخِذلان . وأبادَه . وكان مع سعادة جَدِّه شديدُ الاهتمام بمصالح المُلك ، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارِهم وصغارِهم . وأصحابُ أخباره في أقطار البلاد يُوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة حَتّى يُشاهد جميعَ البلادِ دفعة واحدة . وكانت لَهُ حيلٌ لطيفة ، ومكايدُ غامضة ، وخدعٌ لا يَفْطَنُ لها أحد . يُوقِعُ الصداقةَ بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون ، ويُوقع العداوة بين ملوكٍ متّفقين وهم لا يَفْطَنُونَ . قال : ولو أخذنا في نوادِر حكاياته ، لاحتاجت إلى صحفٍ كثيرة . ولَمّا دخل رسول صاحب مازندران بغدادَ ، كانت تأتيه ورقةٌ كُلّ صباح بما عَمِلَ في الّليل ، فصار يُبالغ في التّكتُّم ، والورقة تأتيه ، فاختلى ليلةً بامرأةٍ دخلت من باب السِّرِّ ، فصبّحته الورقة بذلك ، وفيها : كَانَ عليكم دواجٌ فيه صُورة الأفْيلة . فتحيَّر ، وخرج من بغداد وهُوَ لا يشكّ أنّ الخليفة يَعْلَمُ الغيب ؛ لأنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل ، وما وراء الجدار . وقيل : إنَّ النّاصر كَانَ مخدومًا من الجنّ . وأتى رسولُ خُوارزم شاه برسالةٍ مَخْفيّة وكتابٍ مختوم ، فقيل : ارجع ، فقد عرفنا ما جئتَ به ، فرجع وهُوَ يظنّ أنّهم يعلمون الغيب . ووصل رسول آخر فقال : الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة ، فحُبِسَ ،
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 688 | الذهبي / بشار عوّاد معروف