قال أبو شامة : قُتِلَ فيها خلْق كثير ، ونُهِبَ قصر حَجَّاج والشّاغور ، وأطلق فيها النّيران ، وتسلّموا حصن عزّتا صلحاً مع متولّيه .
وفي تاسع جُمَادَى الآخرة وصل الكاملُ ، فنزل عند مسجد القَدَم ، فأنفذ النّاصرُ إليه جماعةُ من الكُبراء : الدَّولعيّ ، والقاضي ، شمس الدِّين الخُوَيّيّ ، والقاضي شمس الدِّين ابن الشّيرازيّ ، والشّيخ جمال الدِّين الحَصِيريّ ، نيابةً عنه في السّلام والخدمة . ثمّ خرج من الغدِ عزُّ الدِّين أيبك أستاذ الدّار باستدعاءٍ من الكامل فتحدَّثا في الصُّلْحِ ، فلمّا كَانَ يوم منتصف الشّهر ، كَانَ بينهم وقعةٌ تلقاء باب الحديد وفي الميدان ، وانتصر الدّمشقيّون . ثمّ أصبح من الغدِ النَّهبُ والحريق بظاهِرِ باب تُوما ، وبدَّعوا في الغُوطة ، وخرَّبوها ، وغلت الأسعارُ ، وصار اللّحْم بستَّة دراهم ، والْجُبْن بستَّة دراهم أيضًا . واشتدّ الحصار ، ثمّ إنّهم زحفوا على دمشق من غربيّها مرارًا ، وتكون الكرَّة عليهم ، واتّخذوا مسجد خاتون ، ومسجد الشّيخ إسماعيل ، وخانقاه الطّاحون ، وجَوسق الميدان ، حصونًا وظَهرًا لهم . وأحرق النّاصرُ لأجلِ ذلك مدرسةَ أسَدِ الدِّين ، وخانقاه خاتون ، وخانقاه الطّواويس ، وتلك الخانات . وجرت أمور .
ثمّ زحفوا في تاسع رجب إلى أنْ قاربوا باب الحديد ، ثمّ كَانَ انتظام الصّلح في أوّلِ شعبان ، وذلك أنّ الملك النّاصر داود خرج ليلةَ رابع عشر رجب إلى الكامل واجتمع به ، ثمّ اجتمع به مرّات ، وتقرَّر الصّلح ؛ أنّ النّاصر رضي بالكَرَك ونابلس وبعضَ الغور والبلقاء ، ثمّ دخل الملكُ الكامل القلعةَ ، ونزل إلى قُبة والده ، ووجّه العسكر ، فنازلوا حماة ، وحاصرُوها .
وفي أواخر شعبان سلَّم الكامل دمشق لأخيه الملك الأشرف ، وأعطاه الأشرفُ عِوَضها حرَّان والرُّها ، ورأس عين والرَّقة ، ثمّ توجّه إلى الشّرق ليتسلّم هذه البلاد ، فسار في تاسع رمضان فلمّا نزل على حماة ، خرج إلى خِدمته صاحبُها صلاح الدِّين قلِج أرسلان ابن الملك المنصور مُحَمَّد بن عُمَر ، وسلَّم إلى الكامل حماة ، فأعطاها لأخي صاحبها لكونه أكبر سِنًّا ؛ ولأنّ العهد من أبيه كَانَ إليه . ثمّ سار إلى حرَّان ، ونزل عسكرُه على بَعْلَبَكّ ؛ وجاء إليها الأشرف
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 650
مساهمون: الذهبي
ص٦٥٠