تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
فلما فرغ ، عاد لمحادثتي ، وسال عن اسمي وبلدي ، وفاوضته في مسائل في التصوف ، فكان يأتي بالأجوبة الغريبة السديدة ، والكلام المنقح ، ثم شرع في الحديث معي على ما جرت به العادة مع القادم ثم لازمت زيارته وزارني ، وخرجت معه إلى البساتين والضواحي ، وكان يحب الخضرة ، والمياه الجارية ، وبلغني أنه كان يلازم العزلة والخلوة ، ثم خالط الناس . وكانت مجالسه مجالس وعظ وتذكير وأدعية ، ومعظم كلامه في الحث على الصدقة وفعل الخير وذم الشح . وأما الذي صح عنه من الكرامات ، وصحة الفراسات ، والدعوات المستجابات ، فمشهور متداول مستفيض ، إلا أنهم يرجمون الظنون في أسباب ذلك الحصول وطريقته في الوصول ، وكان لصاحبي الجمال محمد القسطلاني أخ قد سافر بتجارة إلى غانة ، وهي قاعدة مملكة السودان ، فبعث إليه بضاعة فخرج الحرامية ، فأخذوا تلك القافلة فرد التجار إلى سجلماسة ، وخرج الوالي ، فأمسك بعض الحرامية ، وبعض الأموال ، فدخل محمد معي إلى الشيخ فحكى له ما جرى ، فقال : كم تسوى بضاعتك ؟ قال : ستمائة دينار . فتبسم ، وقال : لعل رأس مالها عليك العشر أو أقل ، فكأنكم طمعتم في اقتناص أموال الحضر ، فصادها البربر من المدر ، فقلت أنا : يا سيدي فهل يرجى لما ذهب عود ؟ قال : إن تصدق بستمائة درهم ، أخلف الله عليه ذلك . فأخرج دراهم ، فوضعها بين يديه فعدت ، فكانت مائة وثمانية دراهم . فلما كان بعد شهر ، دخل إلى محمد القسطلاني ومعه كتب وردت من أصحابه يذكرون أن الوالي أحضر ما استرد ، فقال للتجار : ليأخذ كل من تحقق له عين ماله ، وحضر القاضي والعدول ، وشهد التجار بعضهم لبعض ، فظهرت صرة فيها تبر من عين ماله ، مكتوب عليها اسم أخيه ، وأخرج لي الصرة من كمه ، وقال : يا ما أعجب شأن هذا الرجل - يعني السبتي - أتذكر قوله ، وحديث العشر والصدقة ، هذا التبر وزنه مائة وعشرة مثاقيل ! فمضينا إلى زيارته ، وقبل محمد يده وحكى ما جرى ، فلم يكترث بما جرى . قلت : ثم حكى له ثلاث كرامات أخر ، وقال : خرجت من البلاد بعد الستمائة ، وتركته حيا يرزق . وكان يقول إذا جرى ذكر الدولة : إن دولة هؤلاء تختل بعد وفاتي وتضمحل - يعني بني عبد المؤمن - فظهر ذلك بعد وفاته ، واختلفوا ، واقتتلوا ، وفسد أمرهم .