تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 662

مساهمون:

ص٦٦٢
أرِفقُوا فهو لكم . فأعتقد أنه لو كان لذلك الرجل ذنوب مثل الجبال لغُفِرت لِما صادف من إشباع جوعنا . فرأيت أن حجي ليس فِيهِ منفعة لغيري ، وأني لو عملت موضعًا يستظل به إنسان كان أفضل من حجي ، وكان مع ذلك يكره كثرة العلائق ويقول : لو قيل لي فِي المنام : إنك تصير إلى هذا الحال ما صَدَّقت . وبنى عند المشهد خانًا للسبيل ، وكان يعمل عامة نهاره فِي الحَر والغُبار ، ويقول : لو أن لي من يعمل معي فِي الليل لعملت ، وعمل لنفسه رحى ، وكان يتقوَّت منه باليسير ، ويُخرج الباقي فِي البِرّ . دخلت عَلَيْهِ فِي بيته مِرارًا وهو يتعشى ، فما رَأَيْته جالسًا فِي سِراج قط ، وَلَا كان تحته حصير جيد قط وَلَا فِراش ، بل حصير عتيق ، تحته قش الرَز ، وحضرت يومًا معه فِي مكانٍ ، فلما حضر وقت الغداء جلسنا نتغدى ، واخرج رغيفًا كان معه ، فأكل نصفه ، وناولني باقيه ، وقال : ما بقي يصلح لي أن آكل شيئًا وَلَا أعمل شيئًا ، وقال لي : وددت أني لآتي مكانًا لَا أخرج منه حتى أموت . وسمعته يقول : وذكر لي إنسان أن بعض الرؤساء عرض عَلَيْهِ ملكًا يقفه عَلَيْهِ ، فقال لَهُ أبو بكر : وأيش نعمل به ، لو لم يكن فِي مالهم شُبْهة إلَّا الجاه لكفى . سمعت فتيان بْن نياح الحراني ، وكان عالِم أهل حَران وقد جرى بيننا ذِكر الكرامات فقال : أَنَا لَا أحكي عَن الأموات ولكن عَن الأحياء . هذا أَبُو بَكْر بْن إِسْمَاعِيل حج فِي بعض السنين ، فلما قرُب مجيء الحاج جاء الخبر أن أَبَا بَكْر قد مات . فجلست محزونًا فجاءتني والدته وأنا فِي مكاني هذا ، فسلمَتْ ، فرددتُ عليها متحزْنًا ، فقالت : إيش هُوَ ؟ فقلت : هُوَ الذي يحكى ، فقالت : ما هُوَ صحيح ، قلت : من أَيْنَ لكِ ؟ قَالَتْ : هُوَ قَالَ لي قبل أن يخرج إنه سَيَبْلُغُكِ أني قد مت ، فلا تصدقي ، فإني لا بد أجيء وأتزوج ، وأرزقُ ابنًا وأموت ، قال : فأول من جاء هُوَ ، وتزوج ورُزق ابنًا ، ومات ، هذا مع كراهيته إظهار الكرامات والدعاوَى .