تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
جدّه عَبْد اللَّه سنة خمسٍ وثمانين وأربعمائة ، وحج ، وسمع " المسند " من ابن الحُصَيْن ، وبلغني أَنَّهُ لمّا حجّ قرأ عَلَيْهِ ابن ناصر " مسلسلات أبى حاتم ابن حِبّان " ، وكان زاهدًا ، ورِعًا متواضعًا ، كثير النّوافل ، سريع الدَّمْعَة ، حَسَن الأخلاق ، عاش تسعًا وثمانين سنة ما عُرِفت لَهُ زلَّة ، وكان منتشر الذِّكْر فِي البلاد القاصية بحُسْن السّيرة ، وكان لَهُ رِباطٌ ينزل فِيهِ كلُّ من أراد من القادمين ، ووقف عَلَيْهِ نصف قرية ، فكان لا يتناول من ذَلِكَ شيئًا ، بل يجعله فِي نفقة الرباط ، ويتعيَّش بغُلَيْلَةٍ لَهُ يسيرة ، ومات وعليه دَيْن ؛ هذا مَعَ سعة جاهه بسِجِسْتان ، حتّى عند بعض مخالفيه ، بَلَغَنَا موتُه وأنا بِهَرَاة بعد مفارقتي لَهُ بقليل ، فأُغلِقتْ أسوارُ هَرَاة ، ومُنِع الوُعّاظ من الوعْظ ، وجلس كُبراء هَرَاة من العلماء والرؤساء ، والعمّال فِي الجامع عليهم ثيابُ العَزَاء ، وجلس واعظ وذكر مناقبه ، وبكى النّاس عَلَيْهِ ، كنت يومًا عنده ، فجاء إنسان فجعل يحدِّثنا بدخْل بغداد ، فتعجّب وقال : سبحان اللَّه ، إنسانٌ يعيش حتّى يشيخ ، ولا يرى فِي يد أحدٍ عشرة دنانير ! قلت : ولا رَأَيْت فِي يدك عشرة دنانير ؟ قَالَ : ولا خمسة ، وكان يعظ فِي رباطه ، فلمّا جئت إلى عنده قال : الآن أريد أن أشتغل بالحديث ، فلم يعِظْ مدَّة مُقامي ، وكان قد وَلِيَ سِجِسْتان أميرٌ معتزِليّ ، فقَصَد الشَّيْخ ، فخرج من سِجِسْتان إلى هَرَاة ، وتلقَّوْهُ مُلْتَقًى حَسَنًا ، ونزل فِي رباط شيخ الْإِسْلَام ، وكان لَهُ ابنٌ يقال لَهُ عَبْد المعزّ ، سَمِعَ مَعَ أَبِيهِ من أَبِي نصر هبة الله بن عبد الجبار بن فاخر ، وكان أعلم من أَبِيهِ ، وقريبًا منه فِي السّيرة والعقل والوقار والحُرْمة عند النّاس ، فلم يعش بعد أَبِيهِ طائلًا ، سَمِعْتُ رجلًا بسِجِسْتان يَقُولُ : خبرت أهل سِجِسْتان لَيْسَ فيهم أَدْيَن من عَبْد الهادي وأولاده ، وكان لديانته قد فوض إليه الوقف وإمامة الجامع ، وكان لا يقدر أحدٌ من المخالفين يُصلّي فِي الصّفّ الأوّل من الجامع من غَلَبَة أصحابه ، مَعَ قِلَّتهم وكثرة المخالفين ، ومساعدة السّلطان لمخالفيه . قلت : تُوُفّي فِي هذه السنة إن شاء اللَّه ، فإنّ فيها كَانَ عَبْد القادر بهَرَاة ، وقد شهد عزاءه . وأجاز لنا أبو زكريا يحيى ابن الصيرفي الفقيه وغيره ، قالوا : أخبرنا