الإثبات ، فيخافون ويرجون ، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي ، ولا طمع ولا مخافة في النفي . ومن تدبّر الشّريعة رآها غامسة للمكلّفين في التّشبيه بالألفاظ الّتي لَا يعطي ظاهرها سواه ، كقول الأعرابيّ : أو يضحك ربّنا ؟ قَالَ : نعم . فلم يكْفَهر لقوله ، بل تركه وما وقع لَهُ .
102 - علي بن محمد بن علي ابن الدَّامغانيِّ ، الحنفيُّ ، [ المتوفى : 513 ه - ]
قاضي القضاة ببغداد ، ابن قاضي القضاة .
تفقه على والده ، وبرع في المذهب ، وكان كثير المحفوظ . ولي القضاء بعد أبي بكر الشَّامي سنة ثمان وثمانين إلى حين وفاته ، وشهد عند والده وله سبع عشرة سنة ، فولاه يومئذ قضاء باب الطَّاق ، ولم يُسْمَع أن قاضياً ولي في هذا السِّنِّ ، وقد ناب في الوزارة في أيام المستظهر والمسترشد وقام بأخذ البيعة وعقدها للمسترشد ، وكان ذا دين وعفاف ، ومروءة وصدقات .
قال ابن الجوزي : حدَّثني أبو البركات ابن الجلاء الأمين ، قال : حضر أبو الحسن ابن الدَّامغاني باب الحُجرة ، فقال له الخادم : أمير المؤمنين يسمع كلامك ويقول : أنحن نحكمك أو أنت تحكمنا ؟ فقال : كيف يقال هذا وأنا بحكم أمير المؤمنين ، إذا كان يوم القيامة جيء بديوان ديوان فسئلت عنه فإذا جيء بديوان القضاء كفاك أن تقول وليته لذلك المدبر ابن الدَّامغاني فتسلم أنت وأقع أنا ، فبكى الخليفة ، فقال : افعل ما تريد .
وقد سمع أبا محمد الصَّريفيني ، وأبا الحسين أحمد بن محمد السِّمْناني ؛ روى عنه أبو المعمَّر الأنصاري ، وغيره .
ولد سنة تسع وأربعين وأربع مئة . وتوفي في رابع عشر محرَّم ، وكان ورعاً مهيباً ، مقدَّماً عند الدولة ذا رأي وحزم وسؤدد ، وهو أحد مَنْ قتله الطِّب ؛ قال محمد بن عبد الملك الهمذاني : فإنَّ جوفه علا وظنوه استسقاء فأعطوه الحرارات وحموه البوارد ، وكان في جوفه مادة دواؤها البقلة فلم يمكنوه من شرب الماء فلما أنضجتها الحرارات بان لهم الخطأ . وقيل : إنَّه أنشد عند موته :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 208
مساهمون: الذهبي
ص٢٠٨