تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
فقلت : أنا حنبليٌّ . فقال : مذهبٌ ما سمعتُ به وهذه بدْعة . وأخذ بثوبي وقال : لا أفارقك حتّى أذهب بك إلى الشّيخ أبي حاتم . فقلت : خيْرة . فذهب بي إلى داره ، وكان له ذلك اليوم مجلسٌ عظيم ، فقال : هذا سألته عن مذهبه ، فذكر مذهبًا لم أسمع به قطّ . قال : ما قال ؟ قال : أنا حنبليّ . فقال : دعه ، فكل من لم يكن حنبليًّا فليس بمُسلمٍ . فقُلت : الرجلُ كما وُصِف لي : ولزِمْتُه أيّامًا وانصرفت . قال ابن طاهر : حكى لي أصحابنا أنّ السّلطان ألْب أرسلان قدِم هَرَاة ومعه وزيره نظام المُلْك ، فاجتمع إليه أئمّة الفريقين من الشّافعيّة والحنفيّة للشّكاية من الأنصاريّ ، ومطالبته بالمناظرة . فاستدعاه الوزير ، فلمّا حضر قال : إنّ هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك ، فإنّ يكن الحقّ معك رجعوا إلى مذهبك ، وإنّ يكن الحقّ معهم إمّا أن ترجع وإمّا أن تسكت عنهم . فقام الأنصاريّ وقال : أناظر على ما في كُمَّيَّ ، فقال : وما في كُمَّيْكَ ؟ قال : كتاب الله ، وأشار إلى كُمِّه الأيمن ، وسُنَّة رسوله ، وأشار إلى كُمِّه اليسار ، وكان فيه " الصّحيحان " . فنظر الوزير إليهم كالمستفهم لهم ، فلم يكن فيهم مَن يمكنه أن يُناظره من هذا الطّريق . وسمعتُ أحمد بن أميرجة القَلانسِيّ خادم الأنصاريّ يقول : حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير أبي عليّ ، يعني نظام المُلْك ، وكان أصحابه كلّفوه الخروج إليه ، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلْخ . قلتُ : وكان قد غُرِّب عن هَرَاة إلى بَلْخ . قال : فلمّا دخل عليه أكرمه وبجّله ، وكان في العسكر أئمة من الفريقين . في ذلك اليوم ، قد علموا أنّ الشّيخ يأتي ، فاتَّفقوا على أن يسألوه عن مسألةٍ بين يدي الوزير ، فإنْ أجاب بما يجيب بهَرَاة سقط من عين الوزير ، وإنْ لم يُجِبْ سقط من عيون أصحابه . فلمّا استقرّ به المجلس قال : العَلَويّ الدّبّوسيّ : يأذن الشّيخ الإمام في أن أسأل مسألة ؟ قال : سَلْ . فقال : لِمَ تَلْعن أبا الحسن الأشعريّ ؟ فسكت ، وأطرق الوزير . فلمّا كان بعد ساعةٍ ، قال له الوزير : أَجِبْه . فقال : لا أعرف الأشعريّ ، وإنّما ألعَن من لم يعتقد أنّ الله في السّماء ، وأنّ القرآن في المصحف ، وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اليوم غير نبي . ثمّ قام وانصرف ، فلم يمكن أحدٌ أن يتكلّم بكلمةٍ من هيبته وصلابته وصَوْلته . فقال الوزير للسّائل أو مَن معَه : هذا أردتم ، كنّا نسمع أنّه يذكر هذا بهَرَاة ، فاجتهدتم