تخريج " الصّحيحين " والعلَل ، والتّراجم ، والأبواب ، والشيوخ ، ثمّ المجموعات مثل : " معرفة علوم الحديث " ، و " مُستدرك الصحيحين " ، و " تاريخ النيسابوريين " ، وكتاب " مزكى الأخبار " ، و " المدخل إلى علم الصحيح " ، وكتاب " الإكليل " ، و " فضائل الشّافعيّ " ، وغير ذَلِكَ ، ولقد سَمِعْتُ مشايخنا يذكرون أيّامه ، ويحكون أنّ مقدّمي عصره مثل الإمام أَبِي سهل الصُّعْلُوكيّ ، والإمام ابن فُورك ، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم ، ويُراعون حق فضله ، ويعرفون لَهُ الحُرمة الأكيدة . ثمّ أطنب عَبْد الغافر في نحو ذَلِكَ مِن تعظيمه ، وقال : هذه جُمل يسيرة هِيَ غيض من فَيْض سِيَره وأحواله ، ومَن تأمّل كلامه في تصانيفه ، وتصرُّفه في أمَاليه ، ونظره في طُرق الحديث أذعن بفضله ، واعترف له بالمزية على من تقدمه ، وإتعابه مَن بعده ، وتعجيزه اللاحقين عَنْ بلوغ شأوه . عاش حميدًا ، ولم يخلف في وقته مثله . مضى إلى رحمه الله في ثامن صفر سنة خمسٍ وأربعمائة .
وقال أبو حازم عمر بن أحمد العبدويي الحافظ : سَمِعْتُ الحاكم أبا عَبْد الله إمام أهل الحديث في عصره يَقُولُ : شربت ماء زمزم وسألت الله تعالى أن يرزقني حُسن التَّصنيف .
قَالَ أبو حازم : وسمعتُ السُّلَميَّ يَقُولُ : كتبت عَلَى ظهر جزء من حديث أَبِي الحسين الحجّاجيّ " الحافظ " . فأخذ القلم وضَرَبَ عَلَى " الحَافظ " ، وقال : أيش أحفظ أَنَا أبو عَبْد الله ابن البيّاع أحفظ منّي ، وأنا لم أرَ من الحُفاظ إلا أبا عليّ الحافظ النيَّسابوريّ ، وابن عُقدة . وسمعتُ السُّلميّ يَقُولُ : سالت الدارقطني : أيهما أحفظ ابن مَنْدَهْ أو ابن البَيَّع ؟ فقال : ابن البيع أتقن حِفظا .
قَالَ أبو حازم : أقمتُ عند الشيخ أبي عَبْد الله العُصمي قريبًا من ثلاث سِنين ، ولم أرَ في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرًا ، وكان إذا أشكلَ عَليْهِ شيء أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله . فإذا ورد جواب كتابه حكم
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 95
مساهمون: الذهبي
ص٩٥