قال السُّلَمي : قال أحمد بن يحيى الشّيرازي : ما أرى التصوف إلا يختم بأبي عبد الله بن خفيف . وكان ابن خفيف من أولاد الأمراء ، فتزهّد حتى قال : كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل ، وأغسله ، وأصلح منه ما ألبسه ، وبقيت أربعين شهراً أفطر كل ليلة على كف باقلاء ، فافتصدت ، فخرج من عرقي شبيه ماء اللحم فغشي علي ، فتحيَّر الفصَّادُ ، وقال : ما رأيت جسدًا بلا دمٍ إلّا هذا .
وقال ابن باكَوَيْه : سمعت أبا أحمد الكبير يقول : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول : نُهْبتُ في البادية وجعت حتّى سقَطَتْ لي ثمانية أسنان ، وانتثر شَعْري ، ثم وقعتُ إلى فَيْدَ وأقمت بها ، حتّى تماثلت وحججت ، ثم مضيت إلى بيت المقدس ، ودخلت الشّام ، فنمت إلى جانب دُكّانِ صبّاغٍ ، وبات معي في المسجد رجل به قيام ، فكان يخرج ويدخل إلى الصباح ، فلما أصبحنا ، صاح الناس وقالوا : نُقِب دُكّان الصّبّاغ وسُرِقت ، فدخلوا المسجد ورأونا ، فقال المَبْطُون : لا أدري ، غير أنّ هذا طول اللّيل كان يدخل ويخرج ، وما كنت خرجتُ أنا إلّا مرَّةً ، تطهّرتُ ، فجرُّوني وضربوني ، وقالوا : تكلّم . فاعتقدت التّسليمَ ، فكانوا يغتاظون من سُكُوتي ، فحملوني إلى دُكّان الصّبّاغ ، وكان أثَرُ رجل اللّصّ في الرّماد ، فقالوا : ضَعْ رِجْلَك فيه ، فوضعت ، فكان على قدْر رِجْلي ، فزادهم غَيْظًا ، وجاء الأمير ، ونُصِبت القِدْر وفيها الزَّيت يغلي ، وأُحْضِرت السكّين ومَن يقطع اليد ، فرجِعْت إلى نفسي وإذا هي ساكنة ، فقلت : إنْ أرادوا قَطْعَ يدي سألتهم يعفوا يميني لأكتب بها ، فبقي الأمير يهدّدني ويصْول ، فنظرت إليه فعرفته ، وكان مملوكًا لوالدي ، فكلّمني بالعربية وكلّمته بالفارسيّة ، فنظر إليّ وقال : أبو الحسين ، وكنتُ أُكَنَّى بها في صِباي ، فضحكتُ ، فعرفني ، فأخذ يلطم رأسه ووجهه ، واشتغل النّاس به ، فإذا بضجّة عظيمة ، وأنّ اللَّصوص قد مُسِكُوا ، فذهبتُ والنّاسُ ورائي ، وأنا ملطخ بالدماء جائع لي أيام لم آكل ، فرأتني عجوزٌ فقيرة ، فقالت : أدخل إلينا ، فدخلتُ ولم يرني الناس ، وغسلت وجهي ويديّ ، فإذا الأمير قد أقبل يطلبني . فدخل ومعه جماعة ، وجرّ من منطقته سِكّينًا ، وحَلَفَ بالله ، وقال : إن أمسكني إنسان لأقتلنّ نفسي ، وضرب بيده رأسه ووجهه مائة صَفْعة ، حتّى منعتُه أنا ، ثم اعتذر ، وجَهِد بي أن أقبل شيئًا ، فأَبَيْتُ ، وهربت ليومي من المدينة ، فحدّثت بعضَ المشايخ فقال : هذا عقوبة انفرادك ، فما دخلتُ بلدًا فيه فقراء إلّا قصدتُهم .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 366
مساهمون: الذهبي
ص٣٦٦