وجالست الفقهاء عشرين سنة .
وكان يتفقه لمالك . وكان له يوم الجمعة صيحة ، فصاحَ يومًا فتشوَّش الخلْق ، فحرد أبو عمران الأشيب والفقهاء ، فقام الشبليّ وجاء إليهم ، فلمّا رآه أبو عمران أجلسه بجنبه ، فأراد بعضُ أصحابه أن يُرِيَ الناس أن الشبليّ جاهل فقال : يا أبا بكر ، إذا اشتبه على المرأة دَم الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع ؟ فأجاب الشبليّ بثمانية عشر جوابًا . فقام أبو عمران وقبل رأسه ، وقال : مِن الأجوبة ستة ما كنتُ أعرفها . رواها أبو عبد الرحمن السلمي عن أحمد بن محمد بن زكريّا ، عن أحمد بن عطاء .
وقيل : إنه أنشد :
يقول خليلي : كيف صبرُكَ عنهم ؟ . . . فقلتُ : وهل صبرٌ فيسأل عن كيف
بقلبي هوى أذْكَى من النّار حَرُّهُ . . . وأصلي من التقوى وأمضى من السيف
وقيل : إنه سأله سائل : هل يتحقَّق العارف بما يبدو له ؟ فقال : كيف يتحقق بما لا يثبت ، وكيف يطمئنّ إلى ما لا يظهر ، وكيف يأنس بما لا يخفى . فهو الظاهر الباطن ، الباطن الظّاهر . ثم أنشأ يقول :
فمن كان في طول الهوى ذاق سلوةً . . . فإني من ليلى لها غير ذائق
وأكبر شيءٍ نلتهُ من نوالها . . . أماني لم تصدق كلمحَةِ بارق
وكان رحمه الله لهجًا بالغزل والمحبّة ، فمن شعره :
تغني العودُ فاشتقنا . . . إلى الأحباب إذ غنى
أزور الدير سكراناً . . . وأغدو حاملًا دنّا
وكنا حيثُ ما كانوا . . . وكانوا حيثُ ما كُنّا
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ قال : أَخْبَرَنَا ابن الحرستاني ، قال : أخبرنا علي بن المسلم ، قال : أخبرنا ابن طلاّب ، قال : أخبرنا ابن جميع قال : أنشدنا الشبليّ :
خرجنا السنَّ نستنّ . . . ومعَنا من تري منّ
فلما جننا الليل . . . بذلنا بيننا دنّ
وكان للشبليّ في ابتدائه مجاهدات فوق الحدّ . قال أبو علي الدّقّاق :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 687
مساهمون: الذهبي
ص٦٨٧