تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
الانصراف ، فأبى وقال : إنْ شئتَ خرجت إليك وحدي وأنت في جماعتك ، وإنْ شئتَ تَبَارَزْنَا ، فإنْ ظفرتُ بك انصرف أصحابك إليّ وكانوا شركائي في الغنيمة ، وإنْ ظفرتَ بي صار أصحابي إليك . فقال له النُّعْمان : يا يحيى ، ويْحَكَ أنت حدثٌ ، وقد بُليت بالعُجْب . ولو كنت من أنفس قريش لما أمكنك مُعَارة السلطان . وهذا الأمير هو أخو الخليفة . وإنّا وإن فَرَّقَنا الدّينُ أحبُّ أن لا يجري على يديّ قتل فارسٍ من الفرسان ، فإن كنت تحب ما أحبّ من السّلامة فأخرج إليّ ، ولا يُبْتلى بك وبي من يسوؤنا قتله ، قال : فخرجا جميعا وقت العصر ، فلم يزالا في مبارزةٍ إلى الظّلام ، فوقف كلٌّ منهما على فَرَسه ، واتّكأ على رمحه ، إلى أن غلبت النُّعْمان عيناه ، فطعنه اليهوديّ ، فوقع سنان رمحه في منطقة النعمان ، فدارت المنقطة وصار السِّنان يدور بدَوَران المِنْطَقة إلى الظَّهْر ، واعتنقه النُّعْمان وقال لَهُ : أغدرًا يا ابن اليهوديّة ؟ فقال له : أومحاربٌ ينام يا ابن الأمة ؟ واتكأ عليه النُّعْمان عند مُعانقته إيّاه ، فسقط فوقه ، وكان النُّعْمان ضخْمًا ، فصار فوق اليهوديّ ، فذبحه وبعث إليَّ برأسه . فلم يختلف عليّ بعدها أحد . ثمّ ولي بعدي دمشقَ سليمانُ بنُ المنصور ، فانتهبه أهل دمشق وسَبَوْا حُرُمَه ، ثمّ ولي بعده أخوه منصور ، فكانت على رأسه الفتنة العظمى . ثمّ لم يُعط القوم طاعة بعد ذلك ، إلى أن افتتح دمشق عبد الله ابن طاهر سنة عشرٍ ومائتين . وكان السّبب في صرفي عن دمشق للمرة الأولى أنّني اشتهيت الاصطباح فأغلقتُ الأبواب . قال : فحضر الكاتب ، فصار إليه بعض الحَشَم ، فسأله أن يكتب له إلى صاحب النزل ، فلم يمكن إخراج الدواة ، واستعجله ذلك الغلام ، فأخذ فحمةً ، وكتب في خزفة بحاجته ، فأخذ سُلَيم حاجبي تلك الفحمة فكتب على الحائط : كاتبٌ يكتب بفحمة في الخَزَف ، وحاجِبٌ لا يصل . فوافى صاحب البريد ، فقرأ ما كتب سُلَيم ، فكتب بذلك إلى الرشيد ، فوافى كتابُه الرَّقَّةَ يوم الرابع ، فساعةَ وقع بصرُه على الكتاب عزلني ، وحبسني مائة يوم ، ثمّ رضي عنّي بعد سنة . ثمّ قال لي بعد سنتين : بحقّي عليك لَمَا تخيّرت ولاية أُولِّيكَها ، فقلت : دمشق ، فسألني عن سبب اختياري لها ، فأخبرته باستطابتي هواءها ، واستمرائي ماءها ، واستحساني مسجدها وغوطها ، فقال : قدرُك اليوم
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 522 | الذهبي / بشار عوّاد معروف