وقال ابن دِيزِيل : سمعتُ أبا مُسْهِر يُنشد :
هَبْك عُمّرتَ مثل ما عاشَ نُوح . . . ثم لاقيتَ كلَّ ذاك يَسَارا
هل من الموت - لَا أبا لك - بُدٌّ . . . أيُّ حيٍّ إلى سوى الموتِ صارا
محنة أَبِي مُسهر مَعَ المأمون
قَالَ الحافظ ابن عساكر : قرأت بخطّ أبي الحُسَيْن الرَّازِيّ ، قال : سمعت محمود بن محمد الرافقي ، قال : سَمِعْتُ عليَّ بْن عثمان النُّفَيْليّ يَقُولُ : كنّا عَلَى باب أَبِي مُسْهِر جماعةً من أصحاب الحديث ، فمرض ، فدخلنا عَلَيْهِ نَعودُه ، فقلنا : كيف أنت ؟ كيف أصبحت ؟ قَالَ : في عافيةٍ راضيًا عَنِ اللَّه ، ساخطًا عَلَى ذي القرنين ، حيث لم يجعل السّدّ بيننا وبين أهل العراق ، كما جعله بين أهلِ خُراسان وبين يأجوج ومأجوج ، قَالَ : فما كَانَ بعد هذا إلّا يسيرًا حتى وافى المأمون دمشقَ ، ونزل بدَير مُران وبنى القُبَيْبة فوق الجبل ، فكان يأمر باللّيل بجمرٍ عظيم فيوقَد ، ويُجعل في طُسُوتِ كِبار ، ويُدلي من عند القُبَيْبَة بسلاسل وحِبال ، فتضيء لَهُ الغُوطة ، فيُبْصرها باللّيل ، وكان لأبي مُسْهر حلقة في الجامع بين العشاءين عند حائط الشرقيّ ، فبينا هُوَ ليلةً إذ قد دخل الجامع ضوء عظيم ، فقال أبو مُسْهِر : ما هذا ؟ قالوا : النار التي تُدَلّى لأمير المؤمنين من الجبل حتّى تضيء لَهُ الغُوطة ، فقال : { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ ريعٍ آيَةً تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } . وكان في الحلقة صاحب خبر للمأمون ، فرفع ذَلكَ إلى المأمون ، فحقدها عَلَيْهِ . وكان قد بلغه أنّه كَانَ عَلَى قضاء أَبِي العُمَيْطر . فلما رحل المأمون أمر بحمل أَبِي مُسْهر إِلَيْهِ ، فامتحنه بالرَّقَّة في القرآن .
قَالَ : وحدّثني أبو الدحداح أحمد بن محمد قال : حدثنا الحسن بن حامد النَّيْسَابوريُّ ، قال : حدثني أبو محمد قال : سَمِعْتُ أصبغ وكان مَعَ أَبِي مُسْهِر هُوَ وابن أبي النجا خرجا معه يخدمانه ، فحدثني أصبغ أن أبا مسهر أدخل
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 365
مساهمون: الذهبي
ص٣٦٥